فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 286

ومن العلماء من قال ببعض الأحاديث فقال يحج الإنسان عن الإنسان ولا يصوم عنه ولا يصلي وهذا مذهب الشافعي ومنهم من قال لا يجوز في عمل الأبدان أن يعملها أحد عن أحد وهذا قول مالك بن أنس ومنهم من قال الأحاديث صحيحة ولكن هي محمولة على الآية وإنما يحج الإنسان عن الإنسان إذا أمره وأوصى بذلك أو كان له فيه سعي حتى يكون موافقا لقوله عز وجل {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلََّا مََا سَعى ََ} ومنهم من قال لا يعمل أحد عن أحد شيئا فإن عمل فهو لنفسه كما قال عز وجل {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلََّا مََا سَعى ََ} وقال في الأحاديث سبيل الأنبياء عليهم السلام أن لا يمنعوا أحدا من فعل الخير [قال أبو جعفر] وقول أحمد في هذا بيّن حسن وهو أصل مذهب الشافعي فإن قال قائل فكيف يرد هذا الى الآية ففي ذلك جوابان أحدهما ان ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصح عنه فهو مضموم الى القرآن كما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي قال حدثنا ابن عيينة عن ابن المنكدر وأبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه أو غيره عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول

لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه [قال أبو جعفر] وهذا جواب جماعة من الفقهاء أن يضم الحديث الى القرآن كما قال جل ثناؤه {قُلْ لََا أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى ََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلََّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} [1] ثم حرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير فكان مضموما الى الآية وكان أحمد من أكثر الناس اتباعا لهذا حتى قال من احتجم وهو صائم فقد أفطر هو وجماعته كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفي الأحاديث تأويل آخر فيه لطف ودقة وهو أن الله إنما قال {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلََّا مََا سَعى ََ} ولام الخفض معناها في العربية الملك والايجاب فليس {لِلْإِنْسََانِ إِلََّا مََا سَعى ََ}

فإذا تصدق عنه غيره فليس يجب له شيء إلا أن الله يتفضل عليه بما لم يجب له كما يتفضل على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل فعلى هذا يصح تأويل الأحاديث وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال يا رسول الله ان أمي افتلتت نفسها فماتت ولم توص أفأتصدق عنها؟ قال نعم [قال أبو جعفر] في هذا الحديث ما ذكرنا من التأويلات وفيه من الغريب قوله افتلتت ماتت فجأة ومنه قول عمر رضي الله عنه كانت بيعة أبي بكر فلتة فوقى الله شرها أي فجاءة وفي ذلك المعنى ان عمر تواعد من فعل ذلك وذلك ان أبا بكر صار له من الفضائل الباهرة التي لا تدفع ما يستوجب به الخلافة وأن يبايع فجأة وليس هذا لغيره وكان له استخلاف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اياه على الصلاة فجاء ممدود مهموز قال عروة بن حزام:

وما هو الا أن أرادها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب

قال محمد بن جرير استخلافه إياه على الصلاة بمعنى استخلافه على إمامة المسلمين والنظر في أمورهم لأنه استخلفه على الصلاة التي لا يقيمها الا الأئمة من الجمع والأعياد وروجع في ذلك فقال يأبى الله والمسلمون الا أبا بكر وقال غير محمد بن جرير روى شعبة والثوري عن الأعمش ومنصور عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال استقيموا ولا تخطوا واعلموا ان خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الصلاة الا مؤمن فلما استخلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر على خير أعمالنا ما كان دونه تابعا له.

(1) سورة: الأنعام، الآية: 145

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت