ما أسكر قليله فكثيره وقليله حرام قال أبو عبد الرحمن إنما يتكلم في حديث عمرو بن شعيب اذا رواه عنه غير الثقات فأما اذا رواه الثقات فهو حجة وعبد الله بن عمرو جد عمرو بن شعيب كان يكتب ما سمع من النبي صلّى الله عليه وسلّم وحديثه من أصح الحديث قال أبو عبد الرحمن وأنبأنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا أبو عامر والنضر بن شميل ووهب بن جرير قالوا حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل قال سمعت أبا الحكم يحدث قال قال ابن عباس من سره أن يحرّم إن كان محرما ما حرم الله ورسوله فليحرم النبيذ وقال أبو عبد الرحمن وأنبأنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا عبد العزيز عن عمارة بن عرنة عن أبي الزبير عن جابر أن رجلا من
حبشان وحبشان من اليمن قدم فسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن شراب يشربونه من الذّرة بأرضهم يقال له المزر فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمسكر هو؟ قال نعم قال النبي صلّى الله عليه وسلّم كل مسكر حرام ان الله عهد لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قال يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال عرق أهل النار أو قال عصارة أهل النار ومما يبين أن الخمر يكون من عصير العنب من لفظ النبي صلّى الله عليه وسلّم ومن اللغة ومن الاشتقاق فأما لفظ الرسول صلّى الله عليه وسلّم مما لا يدفع إسناده فانه قرأ عليّ أحمد بن شعيب عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن الاوزاعي قال حدثني أبو كبير اسمه يزيد عن عبد الرحمن قال أبو عبد الرحمن وأنبأنا حميد بن مسعدة عن سفيان وهو ابن حبيب عن الاوزاعي قال حدثنا أبو كبير قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخمر من العنب وقال سويد في هاتين الشجرتين النخلة والعنبة فوقفنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أن الخمر من النخلة فخالف ذلك قوم وقالوا لا يكون الا من العنبة ثم نقضوا قولهم نقيع التمر والزبيب خمر لأنه لم يطبخ وقرأ عليّ أحمد بن عمرو أبي بكر عن عليّ بن سعيد المسروقي قال حدثنا عبد الرحيم بن سليمان قال حدثنا السري بن اسماعيل عن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال الخمر من خمسة من الحنطة والشعير والتمر والزبيب والعسل وما خمرته فهو خمر وقرأ عليّ أحمد بن شعيب عن يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية قال حدثنا أبو حيان قال حدثني الشعبي عن ابن عمر سمعت عمر يخطب على منبر المدينة قال يا أيها الناس ألا انه نزل بتحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة من العنب والتمر والزبيب والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل فهذا توقيف في الخمر أنها من غير عنب وفيه بيان الاشتقاق وأنه ما خامر العقل مشتق من الخمر وهو كل ما وارى من نخل وغيره فقيل خمر لأنها تستر العقل ومنه فلان مخمور يقال هذا فيما كان من عصير العنب وغيره لا فرق بينهما وما منهما الا ما يريد الشيطان أن يوقع بينهم فيه العداوة والبغضاء ويصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة فالقليل من هذا ومن هذا واحد فهذا أصح ما قيل في اشتقاقها وأجل إسنادا قاله عمر رضي الله عنه على المنبر بحضرة الصحابة وأما سعيد بن المسيب فروي عنه قال إنما سميت الخمر خمرا لأنه صعد صفوها ورسب كدرها [قال أبو جعفر] اشتقاق هذا أيضا على أن الصفو ستر الكدر وقال بعض المتأخرين سميت خمرا لأنها تخمر أي تعطي وسمي نبيذا لأنه ينبذ ولو صح هذا لكان النبيذ يخمر ومما يشبه فيما تقدم ما حدثناه بكر بن سهل قال حدثنا عبد الله بن يوسف قال حدثنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال كنت اسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة الانصاري وأبي بن كعب شراب فضيخ وتمر فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال ابو
طلحة يا أنس قم الى تلك الجرار فاكسرها فقمت الى مهراس لنا فقذفتها بأسفله فكسرتها [قال أبو جعفر] ففي هذه الاحاديث تصحيح قول من قال إن ما أسكر كثيره فقليله حرام عن النبي صلى
الله عليه وسلّم وعن الصحابة ثم كان من الصحابة من هو على ذلك وبه يفتون اشدهم فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخاطبهم نصا بأن ما أسكر كثيره فقليله حرام ثم ابن عمر لما سئل عن نبيذ ينبذ بالغداة ويشرب بالعشيّ قال محمد بن سيرين فقال للسائل إني أنهاك عن قليل ما أسكر كثيره وإني أشهد الله عليك فان أهل خيبر يشربون شرابا يسمونه كذا وهي الخمر وان أهل مصر يشربون شرابا من العسل يسمونه البتع وهي الخمر ثم عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن عصير العنب فقالت صدق الله ورسوله سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول يشرب قوم الخمر يسمونها بغير اسمها فلم يزل الذين يروون هذه الأحاديث يحملونها على هذا عصرا بعد عصر حتى عارض فيها قوم فقالوا المحرم الشربة الأخيرة التي تسكر وقالوا قد قال اهل اللغة الخبز المشبع والماء المروي [قال أبو جعفر] فان صح هذا في اللغة فهو عليهم لا لهم لأنه لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون معناه للجنس كله أي صفة الخبز أنه يشبع وصفة الماء انه يروي فيكون هذا قليل الخبز وكثيره لأنه جنس وكذا قليل ما يسكر أو يكون الخبز المشبع فهو لا يشبع إلا بما كان قبله وكله مشبع فكذا قليل المسكر وكثيره وإن كان قد تأولوه على أن معناه المشبع هو الآخر الذي يشبع وكذا الماء المروي فيقال له ما حدّ ذلك المروي والذي لا يروي فإن قالوا لا حدّ له فهو كله اذا مرو وإن حدوه قيل لهم ما البرهان على ذلك وهل يمتنع الذي لا يروي مما حددتموه أن يكون يروي عصفورا وما أشبهه فبطل الحد وصار القليل مما يسكر كثيره داخلا في التحريم وعارضوا بأن المسكر بمنزلة القاتل لا يسمى مسكرا حتى يسكر كما لا يسمى القاتل قاتلا حتى يقتل [قال أبو جعفر] وهذا لا يشبه من هذا شيئا لأن المسكر جنس وليس كذا القاتل ولو كان كما قالوا لوجب أن لا يسمى الكثير من المسكر مسكرا حتى يسكر وكان يجب أن يحلوه وهذا خارج عن قول الجميع وقالوا معنى كل مسكر حرام على القدح الذي يسكر وهذا خطأ من جهة اللغة وكلام العرب لأن كلما معناها العموم والقدح الذي يسكر مسكر وقد حرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الكل فلا يجوز الاختصاص الا بتوقيف وانما قولنا مسكر يقع للجنس للقليل والكثير كما يقال التمر بالتمر زيادة ما بينهما ربا فدخل في هذا التمرة والتمرتان والقليل والكثير وشبه بعضهم هذا بالدواء والبنج الذي يحرم كثيره ويحل قليله وهذه التشبيه بعيد لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال ما أسكر كثيره فقليله حرام وقال كل مسكر خمر والمسكر هو الخمر وهو الجنس الذي قال الله تعالى فيه إِنَّمََا يُرِيدُ الشَّيْطََانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ
الْعَدََاوَةَ وَالْبَغْضََاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ (1) وليس هذا في الدواء والبنج وإنما هذا في كل شراب يكون هو كذا وعارضوا بأن قالوا فليس كل ما أسكر كثيره بمنزلة الخمر في كل أحواله [قال أبو جعفر] وهذا مغالطة وتمويه على السامع لأنه لا يجب من هذا إباحة وقد علمنا أنه ليس من قتل مسلما غير نبي بمنزلة من قتل نبيا فليس يجب اذا لم يكن بمنزلة في جميع الأحوال أن يكون مباحا كذا من شرب ما أسكر كثيره وإن لم يكن بمنزلة من شرب عصير العنب الذي قد ينش فليس يجب من هذا أن يباح له ما قد شرب ولكنه بمنزلته في أنه قد شرب محرما وشرب خمرا وأنه يحد في القليل منه كما يحد في القليل من الخمر