الله عليه وسلّم وعن الصحابة ثم كان من الصحابة من هو على ذلك وبه يفتون اشدهم فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخاطبهم نصا بأن ما أسكر كثيره فقليله حرام ثم ابن عمر لما سئل عن نبيذ ينبذ بالغداة ويشرب بالعشيّ قال محمد بن سيرين فقال للسائل إني أنهاك عن قليل ما أسكر كثيره وإني أشهد الله عليك فان أهل خيبر يشربون شرابا يسمونه كذا وهي الخمر وان أهل مصر يشربون شرابا من العسل يسمونه البتع وهي الخمر ثم عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن عصير العنب فقالت صدق الله ورسوله سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول يشرب قوم الخمر يسمونها بغير اسمها فلم يزل الذين يروون هذه الأحاديث يحملونها على هذا عصرا بعد عصر حتى عارض فيها قوم فقالوا المحرم الشربة الأخيرة التي تسكر وقالوا قد قال اهل اللغة الخبز المشبع والماء المروي [قال أبو جعفر] فان صح هذا في اللغة فهو عليهم لا لهم لأنه لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون معناه للجنس كله أي صفة الخبز أنه يشبع وصفة الماء انه يروي فيكون هذا قليل الخبز وكثيره لأنه جنس وكذا قليل ما يسكر أو يكون الخبز المشبع فهو لا يشبع إلا بما كان قبله وكله مشبع فكذا قليل المسكر وكثيره وإن كان قد تأولوه على أن معناه المشبع هو الآخر الذي يشبع وكذا الماء المروي فيقال له ما حدّ ذلك المروي والذي لا يروي فإن قالوا لا حدّ له فهو كله اذا مرو وإن حدوه قيل لهم ما البرهان على ذلك وهل يمتنع الذي لا يروي مما حددتموه أن يكون يروي عصفورا وما أشبهه فبطل الحد وصار القليل مما يسكر كثيره داخلا في التحريم وعارضوا بأن المسكر بمنزلة القاتل لا يسمى مسكرا حتى يسكر كما لا يسمى القاتل قاتلا حتى يقتل [قال أبو جعفر] وهذا لا يشبه من هذا شيئا لأن المسكر جنس وليس كذا القاتل ولو كان كما قالوا لوجب أن لا يسمى الكثير من المسكر مسكرا حتى يسكر وكان يجب أن يحلوه وهذا خارج عن قول الجميع وقالوا معنى كل مسكر حرام على القدح الذي يسكر وهذا خطأ من جهة اللغة وكلام العرب لأن كلما معناها العموم والقدح الذي يسكر مسكر وقد حرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الكل فلا يجوز الاختصاص الا بتوقيف وانما قولنا مسكر يقع للجنس للقليل والكثير كما يقال التمر بالتمر زيادة ما بينهما ربا فدخل في هذا التمرة والتمرتان والقليل والكثير وشبه بعضهم هذا بالدواء والبنج الذي يحرم كثيره ويحل قليله وهذه التشبيه بعيد لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال ما أسكر كثيره فقليله حرام وقال كل مسكر خمر والمسكر هو الخمر وهو الجنس الذي قال الله تعالى فيه إِنَّمََا يُرِيدُ الشَّيْطََانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ
الْعَدََاوَةَ وَالْبَغْضََاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [1] وليس هذا في الدواء والبنج وإنما هذا في كل شراب يكون هو كذا وعارضوا بأن قالوا فليس كل ما أسكر كثيره بمنزلة الخمر في كل أحواله [قال أبو جعفر] وهذا مغالطة وتمويه على السامع لأنه لا يجب من هذا إباحة وقد علمنا أنه ليس من قتل مسلما غير نبي بمنزلة من قتل نبيا فليس يجب اذا لم يكن بمنزلة في جميع الأحوال أن يكون مباحا كذا من شرب ما أسكر كثيره وإن لم يكن بمنزلة من شرب عصير العنب الذي قد ينش فليس يجب من هذا أن يباح له ما قد شرب ولكنه بمنزلته في أنه قد شرب محرما وشرب خمرا وأنه يحد في القليل منه كما يحد في القليل من الخمر
وهذا قول من لا يدفع قوله منهم عمر وعلي ومعنى كل مسكر خمر يجوز أن يكون بمنزلة الخمر في التحريم وأن يكون المسكر كله خمرا كما سماه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن ذكرناه من الصحابة والتابعين بالأسانيد الصحيحة وقد عارض قوم بعض الأسانيد من غير ما ذكرناه فمن ذلك ما قرأ علي عبد الله بن محمد بن عبد العزيز عن شيبان بن فروخ عن مهدي بن ميمون قال حدثنا أبو عثمان الأنصاري قال حدثنا القاسم بن محمد بن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كل مسكر حرام وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام [قال أبو جعفر] الفرق بفتح الراء لا غير وهو ثلاثة أصول وكذا فرق الصبح وكذا الفرق من الجزع والفرق أيضا تباعد ما بين الشيئين فأما الفرق باسكان الراء ففرق السعر وكذا الفرق بين الحق والباطل قرئ على أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز عن أبي سعيد الاشج عن الوليد بن كثير قال حدثنا الضحاك بن عثمان عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره قال أبو القاسم وحدثني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل قال حدثنا سليمان بن داود يعني الهاشمي قال حدثنا إسماعيل بن جعفر قال حدثنا داود بن بكر يعني بن أبي القراب قال حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أسكر كثيره فقليله حرام [قال أبو جعفر] فمن عجيب ما عارضوا به أن قالوا أبو عثمان الانصاري مجهول والمجهول لا تقوم به حجة
قيل لهم ليس بمجهول والدليل على ذلك أنه قد روى عنه الربيع بن صبيح وليث بن أبي سليم ومهدي بن ميمون ومن روى عنه اثنان ليس بمجهول وقالوا الضحاك بن عثمان مجهول قيل لهم قد روى عنه عبد العزيز بن محمد وعبد العزيز بن أبي حازم ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وابن أبي فديك وقالوا داود بن بكر مجهول قيل لهم قد روى عنه
(1) سورة: المائدة، الآية: 91