فقال رجل يا رسول الله أحرام هو فرد الشراب ثم دعا بماء فصبه عليه ثم قال اذا اغتلمت عليكم هذه الأسقية فاقطعوا متنها بالماء قال أحمد بن شعيب عبد الملك بن نافع لا يحتج بحديثه وليس بالمشهور وقد روى أهل العدالة سالم ونافع ومحمد بن سيرين عن ابن عمر خلاف ما روى وليس يقوم مقام واحد منهم ولو عاضده جماعة من أشكاله [قال أبو جعفر] ثم رجعنا الى متن الحديث فقلنا لو صح ما كانت فيه حجة لمن احتج بل الحجة عليه به بينة وذلك أن قوله صلّى الله عليه وسلّم اذا اغتلمت عليكم وبعضهم يقول اذا رابكم من شرابكم ريب فاكسروا متنه بالماء والريب في الأصل الشك ثم تستعمل بمعنى المخافة والظن مجازا فاحتجوا بهذا وقالوا معناه اذا خفتم أن يسكر كثيره فاكسروه بالماء [قال أبو جعفر] وهذا من قبيح الغلط لأنه لو كان كثيره يسكر لكان قد زال المخوف وصار نفيا ولكن الحجة لمن خالفهم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر أن لا يقرّ الشراب اذا خيف فيه أن ينتقل الى الحرام حتى يكسر بالماء الذي يزيل الخوف ومع هذا فحجة قاطعة عند من عرف معاني كلام العرب وذلك أن الشراب الذي بمكة لم يزل في الجاهلية والإسلام لا يطبخ بنار وإنما هو ما يجعل فيه زبيب أو تمر ليطيب لأن مياههم فيها ملوحة وغلظ ولم يتخذ للذة وقد أجمع العلماء منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد أيهما نقع ولم يطبخ بالنار وكان كثيره يسكر فهو خمرة والخمر إذا صب فيها الماء أو صب على الماء فلا اختلاف بين المسلمين أنه قد نجس الماء إذا كان قليلا فقد صار حكم هذا حكم الخمر إذا أسكر كثيره فقليله حرام باجماع المسلمين فزالت الحجة بهذا الحديث لو صح [قال أبو جعفر] حدثنا أحمد قال حدثنا فهد قال حدثنا محمد بن سعيد
الأصبهاني قال حدثنا يحيى بن اليمان عن الثوري عن منصور عن خالد بن سعد عن ابن مسعود قال عطش النبي صلّى الله عليه وسلّم حول الكعبة فاستسقى فأتي بنبيذ من نبيذ السقاية فشمه فقطب فصب عليه من ماء زمزم ثم شرب فقال رجل أحرام هو قال لا [قال أبو جعفر] قد ذكرنا النبيذ الذي في السقاية بما فيه الكفاية على أن هذا الحديث لا يحل لأحد من أهل العلم أن يحتج به فإن كان من الجهل فينبغي أن يتعرف بما يحتج به من الحلال والحرام قبل أن يقطع به قال أحمد بن شعيب هذا الحديث لا يحتج به لأن يحيى بن اليمان انفرد به عن الثوري دون أصحابه ويحيى بن اليمان ليس بحجة لسوء حفظه وكثرة خطئه وقال غيره أبو عبد الرحمن أصل هذا الحديث أنه من رواية الكلبي فغلط يحيى بن اليمان فنقل من حديث الى حديث آخر وقد سكت العلماء عن كل ما رواه الكلبي فلم يحتجوا بشيء منه قال وحدثنا أحمد قال حدثنا عليّ بن معبد قال حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا شريك عن أبي اسحاق عن أبي بردة عن أبيه قال بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنا ومعاذ الى اليمن فقلنا يا رسول الله ان بها شرابين يصنعان من التمر والشعير أحدهما يقال له المزر والآخر يقال له البتع فما نشرب؟ قال فاشربا ولا تسكرا [قال أبو جعفر] أتى هذا الحديث من شريك في حروف فيه يبين لك ذلك ما قرأ عليّ أحمد بن شعيب عن أحمد بن عبد الله بن عليّ بن مسروق قال حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي قال حدثنا إسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن أبي هريرة عن أبي موسى قال بعثني النبي صلّى الله عليه وسلّم أنا ومعاذ الى اليمن فقال له معاذ يا رسول الله تبعثنا الى بلد كثير شراب أهله فما نشرب؟ قال اشرب ولا تشرب مسكرا
واحتجوا بحديثين عن ابن مسعود أحدهما من رواية الحجاج بن أرطاة وقد ذكرنا ما في حديثه من العلة والحديث الآخر حدثناه أحمد بن محمد قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان الثوري عن أبيه عن لبيد بن شماس قال حدثنا عبد الله أن القوم ليجلسون على الشراب وهو حل لهم فما يزالون حتى يحرم عليهم [قال أبو جعفر] وهذا الحديث لا يحتج به لأن فيه لبيد بن شماس وشريك يقول شماس بن لبيد لا يعرف ولم يرو عنه أحد الا سعيد بن مسروق ولا يروى عنه إلا هذا الحديث والمجهول لا تقوم به حجة فلم تقم لهم حجة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا عن أحد من أصحابه والحق في هذا ما قاله ابن المبارك قرأ عليّ أحمد بن شعيب عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد قال حدثنا أبو أسامة وهو حماد بن أسامة قال سمعت عبد الله بن المبارك يقول ما وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحبته الا عن إبراهيم قال أبو اسامة وما رأيت أحدا أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك في الشأم ومصر والحجاز واليمن [قال أبو جعفر] وأما الميسر فهو القمار
كما حدثنا أبو بكر بن سهل قال حدثنا أبو صالح قال حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} (1) قال كان أحدهم يقامر بماله وأهله فاذا قمر أخذ ماله وأهله [قال أبو جعفر] حكى أهل العلم بكلام العرب أن الميسر كان القمار في الجزر خاصة قال أبو إسحاق فلما حرم حرّم جميع القمار كما انه لما حرمت الخمر حرم كل ما أسكر كثيره وذكر الشعبي أن القمار كان حلالا ثم حرم ويدل على ما قال حديث ابن عباس قال لما أنزل الله عز وجل {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} (1) وكانت قريش تحب أن تغلب فارس لأنهم أهل أوثان وكان المسلمون يحبون أن تغلب الروم فخاطرهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى أجل [قال أبو جعفر] وقيل لا يقال كان هذا حلالا ولكن يقال مباحا ثم نسخ بتحريمه وتحريم الخمر وفي هذه الآية قوله تعالى {وَيَسْئَلُونَكَ مََا ذََا يُنْفِقُونَ} (2) [قال أبو جعفر] وهذا آخر الآية في عدد المدني والجواب في أول الآية التسع عشرة.