وقدْ سبقَني رثاءً لهذَا الأمرِ الجلَل، وَبُكاءً علَى هذَا الطَّلَل: ابنُ حزمٍ في كتابِهِ: [نقطِ العرُوسِ] (14) ؛ فقالَ:"وَانْخَرَقَ الأمرُ [واتسَّعَ] وَرذلَ جدًا، حتَّى سُمِّيَ بهذهِ الأسماءِ فِي المشرقِ والمغربِ [السماسرةُ] واللُّصوصُ والأنذالُ: [ورذالاتُ الناسِ] ، وتطايبَ الناسُ بذلكَ حتَّى لعهدِي بالعامةِ تسمِّي رجلًا منْ أهلِ قرطبةَ يُسمَّى أُسيدَ بنَ حبيبٍ - أيامَ المستكفِي: أملَ الدولةِ. ليريَ اللهُ عبادَه هوانَ مَا تناحرُوا عليهِ وباعُوا دينَهم وأخلاقَهم وما غَالوا بِه. وصحَّ عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تحقيقًا علَى اللهِ - تعالى - أنْ لاَ يرفعَ الناسُ شيئًا إلاَّ وضعهُ [اللهُ] ، أوْ كلامًا هذَا معناهُ. ولاحَ [أنَّ] الحقيقةَ إنَّما هيَ العملُ لدارِ البقاءِ والخلودِ بِمَا يُرضِي اللهَ تعالىَ، والعدلُ فِي البلادِ، والعملُ بمكارمِ الأخلاقِ، وحملُ الناسِ علَى الكتابِ والسنةِ، والاقتصارُ مِنْ حطامِ الدنيَا الفانِي الرذلِ علَى مَالاَ بُدَّ منهُ، فهذَا هوَ الَّذِي لاَ يقدرُ عليهِ سخيفٌ، ولا يطيقُهُ ضعيفٌ. وبهذَا يتبينُ فضلُ الفاضِل القويِّ علَى الساقطِ المهينِ، لاَ بأسماءَ يقدرُ علَى التسمِّي بهَا كلُّ نذلٍ خسيسٍ واهنِ، ولا بملابسَ لاَ تصلحُ إلاَّ للجوارِي، أو بكلِّ ما يصحُّ فِي الكفِّ منْ نشبٍ، أوْ بمشاربَ تُذهبُ عقلَ شاربِها وتلحقُه بالمجانِين. ولقدْ كانتْ دولةُ عبدِالملكِ وبنيهِ الوليدِ ويزيدَ وهشامٍ وعمرَ بنِ عبدِالعزيزِ لاَ عَضُدَ لَهَا ولاعِمَادِ ولاَ لقبَ إِلاَّ أَسْماؤهم وأسْماءُ آبائِهم فقَط، وقدْ طبَّقتِ الدُّنيا طاعةً واستقامةً ونفاذَ أمرٍ. وهيَ الآنَ أكثرُ مَا كانتْ أعْضَادًا وعُمُدًا، وقدْ طبَّقتِ الدُّنيا خساسةً وضعفًا ومهانةً. وللهِ الأمرُ منْ قبلُ ومنْ بعدُ، وحسبُنا اللهُ ونِعم الوكيلُ"انتهى. وبنحوِ ما قالَ يقولُ الزمخشريُّ فِي: [ربيعِ الأبرارِ] (15) :"وأمَّا مَا استحدثَ منْ تلقيبِ السفلةِ بالألقابِ العلميةِ، حتَّى زالَ التفاضلُ وذهبَ التفاوتُ وانقلبتِ الضعةُ والشرفُ، والفضلُ والنقصُ، شرعًا واحدًا؛ فمنكرٌ."
وهبْ أنَّ العذرَ مبسوطٌ فِي ذلكَ، فمَا العذرُ فِي تلقيبِ مَنْ ليسَ لهُ في الدينِ بقبيلٍ ولادبيرٍ، ولالهُ فيهِ ناقةٌ ولاَ جملٌ (16) ، بلْ هوَ محتوٍ علَى ما يضادُّ الدينَ وينافِيه: بجمالِ الدينِ وشرفِ الإسلامِ؟ هيَ - لعمرُ اللهِ - الغُصَّةُ التِي لاَ تساغُ، والغبنُ الَّذي يتناثرُ الصبرُ دونَه. نسألُ اللهَ إعزازَ دينِه، وإعلاءَ كلمتِه، وأنْ يصلحَ فاسدَنا، ويوقظَ غافلنَا". قلتُ: آمِين."
والآنَ ... وبعدَهُم بطولِ زمَن، وكثرةِ فتَن؛ فمَا عسَى أنْ تقُول؟ إلاَّ أنْ تعذرَني أنْ أشكيَ ممَّا شكَوا، وأبكيَ علَى مَا قدْ بكَوا؛ إذْ غلبَ علَى أهلِ زمانِنَا الجهلُ وطمَّهمْ، وأعماهُم حسنُ الظنِّ بأنفسِهمِ وأصمَّهمْ. كلَّما عُرِّفُوا بالحقِّ كانَ أصمَّ وأعمَى لهُمْ، ويحسبونَ أنَّهمْ يُحسنونَ أعمَالهُمْ. وَئِدتِ الفتوَى بيدَي مَنْ يزعُم اجتهادًا، واغتيلَ التأليفُ والتحقيقُ علَى يدَي منْ يطلبُ مالًا ويدَّعِي رشادًا،"وَتصدَّر للتدريسِ كلُّ مُهوِّسٍ تسمَّى بالفقيهِ المدس" (17) ، وادَّعَى الإمامةَ فِي الدينِ كلُّ متحذلِق، فِي سجيَّتهِ مُتَبَلْتِعٌ مُتَلَهْوِق. غيرَ أنَّ الذِي بهِ أُعزِّي وأَتعزَّى:
منَ الناسِ منْ يُدعَى الإمامَ حقيقةً ويُدعَى كثيرٌ بالإمامِ مجازًا
ولكنْ متىَ يخفَى الصباحُ إذَا بدَا وحلَّ عنِ الليلِ البهيمِ طرازًا؟! (18)
وبعدَ حكايةِ مريرِ هذهِ الحَال، ينقدحُ فِي الذهنِ طلبُ الجوابِ علَى أكثَرَ مِنْ سؤال:
أمَّا الأوَّل: فمَا الذِي حملَ الدهماءَ والسَّفَلَة، علَى التلقُّبِ بألقابِ العلماءِ والكَمَلَة؛ وقدْ كانَ حصنًا قويَّ البَاب، منيعَ الجنَاب، رَفيعَ الأسْوار، سحيقَ الأقْطار؟
وأمَّا الثَّاني: فمَا الذِي قُدِّمَ مِنْ لَدُنْ مَنْ قَبْلُ؛ صِيانةً لهذَا العِرْض، وحمايةً منْ هذَا المرَض؟ أكانَ منهمْ شيءٌ، أمْ آثرُوا السكوت وصارُوا حِلسًا مِنْ أحلاسِ البيُوت؟
وجوابُ الأولِ: يأتيكَ فِي ثلاثةِ مُسبِّباتٍ:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)