-المسبِّب الأوَّل: الافتتانُ بزهرة الحياةِ الدُّنيا؛ حبًا للمَال، وجمعًا لهُ منَ الحرامِ والحلاَل. حتَّى إِذَا ما اسْتَسْمَنَ أحدُهم منْه، وفُتِنَ بِه: استخفَّ بالمحارِم، وشرَاها بالدراهِم. رأَى خالدُ بنُ صفوانَ رجالًا قدْ أصابُوا مالًا فتكلمُوا وغَلوا، فقَال:
قدْ أنطقتِ الدراهمُ بعدَ عِيٍّ .... أُناسًا طالمًا كانُوا سكوتًا
فمَا عادُوا علَى جارٍ بخيرٍ .... ولا رفعُوا لمكرمةٍ بيوتًا
كذاكَ المالُ يجبرُ كلَّ عيبٍ .... وينزلُ كلَّ ذِي حسبٍ صموتًا (19)
-المسبِّب الثَّاني: حبُّ التصدرِ، وطلبُ الرياسةِ.
ونحنُ لا ننكرُ أنْ يطلبَ المرءُ المعالِي. ولكنَّ النكيرَ علَى مَنْ يتخذُ الدَّعاوى الكاذبَة، والألقابَ الفارغَة: مطيَّةً يتبلغُ بهَا المعالِي، ويتصنَّعُ بهَا الأمانِي. جاءَ فِي: [تاريخِ علماءِ دمشقَ] (20) : أنَّ الشيخَ محمدَ المباركَ الجزائريَّ ثمَّ الدمشقيَّ (ت: 1330هـ) -رحمهُ اللهُ تعالىَ - وجهتْ إليهِ الدولةُ رتبةً علميةً فاستاءَ جدًا، ولمْ يقبلْها، ولمْ يبعثْ بشكرٍ إلَى الوالِي، وما رُؤي يغضبُ مثلَ غضبِه عندَ ذكرِها.
-المسبِّب الثَّالث: الغرورُ بالنفسِ، والغلوُّ فِي إحسانِ الظنِّ بِها، ونسجُ المناقِب لهَا؛ فهوَ متَى ما كتبَ كرَّاسًا تكنَّى بابنِ بحرٍ الجاحِظ، ومتَى ما حفظَ قرطاسًا تلقبَ بابنِ حجرٍ الحافِظ. وهوَ لمْ يبلغْ شسعَ نعلِ أحدهِما علمًا، فضلًا عنْ أنْ يكونَ مثلَهُمَا. يقولُ طَاشْ كُبْرَى زَادَهْ فِي: [مفتاحِ السَّعادَة] (21) :"وَإياكَ ثمَّ إياكَ: أنْ تظنَّ - وبعضُ الظنِّ إثمٌ - أنكَ حصلتَ بهذَا العلمِ قدرًا لا مزيدَ عليْه؛ حتَّى تنتصبَ لأنْ يرجعَ الكلُّ إليكَ، فتقعدَ متكئًا علَى أريكةِ العُجْبِ، وتستلقيَ علَى كتفَيِ الفراغِ، وتمدَّ علَى بساطِ الكسلِ رجليْكَ، وتعدَّ نفسَك منْ جهابذةِ الفضلاَء، وتحسبَ نفسَك منْ دهماءِ العلمَاء، وتظنَّ أنكَ أحرزتَ الفضائلَ بشطريهَا، وملكتَ الكمالاتِ بقُطْريهَا، وفُزْتَ منْ ماريةَ بقُرْطيهَا، وتقولَ: هَا أَنَا برزتُ علَى لِدَاتِي، وتفرغتُ عنْ تكميلِ ذاتِي ... فهيهاتَ هيهاتَ ما خطرَ ببالِكَ، وهجسَ فِي خيالِكَ. إِنَّ هذَا طيشٌ يُوجبُ الحرمَان، بلْ همهَمةُ الحسبَان ووسوسَةُ الشيطَان. يتراءَى منهَا مخايلَ الزُّور، ويتدسسُّ فيهَا حبائلَ الغُرور".
وجوابُ الثانِي: يجلُو للعينَين، منْ خلالِ عملَين:
-العمَل الأوَّل: كراهيتُهم لذلكَ وإنْ كانُوا لهُ أهْل، ومنعهُم منْ ذلكَ وهمْ أولُو الفضْل؛ فلمْ يكونُوا مستكثرينَ منهَا، وهمُ الأوْلَى مِنْ غيرِهمْ بِهَا. قالَ ابنُ الحاجِّ فِي [المدخلِ] (22) فِي معرضِ بحثهِ النفيسِ فِي ذلكَ:"ألاَ ترَى إِلى الإمامِ النوويِّ - رحمهُ اللهُ تعالَى - منَ المتأخرينَ: لمْ يرضَ قطُّ بهذَا الاسمِ، وكانَ يكرههُ كراهةً شديدةً علَى ما نُقِلَ عنهُ وصحَّ، وقدْ وقعَ فِي بعضِ الكتبِ المنسوبةِ إليهِ - رحمهُ اللهُ تعالَى - أنهُ قالَ: (إِنِّي لاَ أجعلُ أحدًا فِي حلٍّ ممنْ يسمِّيني بمحيِي الدِّين) . وكذلكَ غيرُه منَ العلماءِ العاملينَ بعلمِهم. وقدْ رأيتُ بعضَ الفضلاءِ منَ الشافعيةِ منْ أهلِ الخيرِ والصلاحِ إذَا حكَى شيئًا عنِ النَّوويِّ - رحمهُ اللهُ - يقولُ: (قالَ يحيَى النوويُّ) ؛ فسألتهُ عنْ ذلكَ، فقالَ: (إِنَّا نكرهُ أنْ نسميَه باسمٍ كانَ يكرهُه فِي حياتِه) . فعلَى هذَا، فهذِه الأسماءُ إنَّما وضعتْ عليهُم تفعُّلًا وهمْ براءٌ منْ ذلكَ".
-العمَل الثَّاني: تدوينُ المصنَّفاتِ والمؤلَّفَات، وتقعيدُ الضوابطِ والمُصْطَلحات؛ فلمْ يخلُ لقبٌ منْ ألقابِ العلمِ، إلاَّ وكانَ لهُ شرطٌ ومهْر؛ فمنْ كانَ بهِ مليئًا كانَ أحقَّ بهِ بلاَ حرجِ، ومنْ كانَ منهُ مفلسًا قيلَ لهُ:"ليسَ هذَا عشكِ. ادرجِي، ادرجِي". يقولُ الشيخُ بكْر أبُو زيدٍ - حفظهُ اللهُ تعالَى - فِي: [تغريبِ الألقابِ العلميةِ] (23) ، متحدثًا عمّا دُوِّنَ فِي هذَا البابِ منْ كتبٍ:"وهذهِ الكتبُ غيضٌ منْ فيضٍ، وفيهَا وفِي غيرِها تاريخُ تطوراتِها، ومعانيهَا المصطلحُ عليهَا، وبيانُ مواقِعها منْ لغةِ العربِ، وبالتَّالِي يحصلُ ترتيبُ الحكمِ بأمَان". ومشاركةً لهؤلاءِ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)