ـ [أبوعمير الحلبي] ــــــــ [22 - 02 - 06, 03:07 م] ـ
هو أبو محمد عبدالله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين المتوفى سنة 438هـ، وقد كان إمامًا في التفسير والفقه والأصول؛ بل له يد طولى في أكثر العلوم المعروفة في زمانه، وقد تخرج على يده خلق كثير وفي مقدمتهم ولده إمام الحرمين ..
وقد ألف في كثير من العلوم، وأما الذي يهمنا هنا فرسالته اللطيفة وهي عظيمة الفائدة تحت عنوان (رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد، وتنزيه البارئ عن الحصر والتمثيل والكيفية) هكذا بهذا العنوان الطويل وهي ليست طويلة؛ بل صغيرة جدًا لا تتجاوز (15) صفحة ولكنها تعالج وتحقق نقاطًا تعجز عن تحقيقها بل عن تصورها كثير من الموسوعات على سعتها.
والرسالة المذكورة تعالج صفة الفوقية والاستواء وصفة الكلام، وهاتان الصفتان قد ضل فيهما كثير من علماء الكلام واضطرابهم فيها أسوأ من اضطرابهم فيما عداهما، وقد وصف المؤلف الحيرة التي استولت عليه عندما ظهر له الحق في هاتين الصفتين وغيرهما من الصفات الخبرية التي يصعب على أهل الكلام سماعها فضلًا عن إثباتها كما سنرى عندما ننقل منها بعض النقول لنستشهد بها على ما نقول حول عقيدته وموقفه من علم الكلام بعد رجوعه.
وميزة هذا الإمام أنه لم يمنعه التعصب والتقليد من إتباع الحق لما تبين له الحق؛ بل اتبعه وأعلن به ودعا إليه، وجادل فيه شيوخه وهو موقف لا يوفق له كل من عرف الحق.
ولقد كانت دعوته ومناقشته لشيوخه تحمل في طياتها الشفقة عليهم والتلطف بهم دون أن يتهجم عليهم أو يهاجمهم ويعنف عليهم وهو ديدن العلماء العاملين الذين همهم بيان الحق والدعوة إليه دون تجريح أو تنفير عملًا بقوله عليه الصلاة والسلام: (( يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا ) )رواه البخاري، ولهذا المعنى الذي أشرت إليه والميزة التي نوهت بها أود أن أورد مقتطفات من كلامه ومختارات من عباراته في رسالته الموجهة إلى شيوخه وإخوانه.
يقول الإمام الجويني (الأب) رحمه الله بعد مقدمة مستفيضة، سرد منها كثيرًا من صفات الله، وأسمائه:
وبعد: فهذه نصيحة كتبتها إلى إخواني في الله أهل الصدق والصفاء والإخلاص والوفاء، لما تعين عليَّ من محبتهم في الله، ونصيحتهم في صفات الله -عز وجل-، فإن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وفي الصحيح عن جرير بن عبدالله البجلي. قال: (( با يعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على إقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ والنُّصْح لكلِّ مُسلمٍ ) ).
وعن تميم الدَّاريِّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الدِّينُ النَّصيحةُ ثلاثًا ) ). قلنا: لمَنْ؟ قال: (( لله ولكتابهِ ولرسُولهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتهم ) ).
أعرفهم أيدهم الله تعالى بتأييده، ووفقهم لطاعته ومزيده، أنني كنت برهة من الدهر متحيرًا في ثلاث مسائل: مسألة الصفات، ومسألة الفوقية، ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد، وكنت متحيرًا في الأقوال المختلفة الموجدة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها، أو إمرارها والوقوف فيها، أو إثباتها بلا تأويل، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل فأجد النصوص في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ناطقة منبئة بحقائق هذه الصفات، وكذلك في إثبات العلو والفوقية، وكذلك الحرف والصوت، ثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستواء بالقهر والاستيلاء، ويؤول النزول بنزول الأمر، ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين، ويؤول القدم بقدم الصدق عند ربهم، وأمثال ذلك، ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائم بالذات بلا حرف ولا صوت، ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)