وطريقته في الحزم وحسن النظر طريقة سديدة وهو من التواضع ولين الجانب وقرب الكان على وتيرة سعيدة نفعه الله ونفع المسلمين به
وفي عصر يوم الاثنين المذكور نزلنا بقرية تعرف بالقنطرة كثيرة الخصب كبيرة الساحة متدفقة فيها جداول الماء وارفه الظلال بشجرات الفواكه من احسن القرى وأجملها وبها قنطرة على فرع من فروع الفرات كبيرة محدودبة يصعد اليها وينحدر عنها فتعرف القرية بها وتعرف ايضا بحصن بشير والفينا حصاد الشعير بهذه الجهات في هذا الوقت الذي هو نصف مايه
ورحلنا من القرية المذكورة سحر يوم الثلاثاء الثاني لصفر فنزلنا قائلين ضحوته بقرية تعرف بالفراش كثيرة العمارة يشقها الماء وحولها بسيط اخضر جميل المنظر وقرى هذه الطريق من الحلة الى بغداد على هذه الصفة من الحسن والأتساع وفي هذه القرية المذكورة خان كبير يحدق به جدار عال له شرفات صغار
ثم رحلنا منها ونزلنا عشى النهار بقرية تعرف بزريران وهذه القرية من احسن قرى الارض واجملها منظرا وأفسحها ساحة واوسعها اختطاطا واكثرها بساتين ورياحين وحدائق نخيل وكان بها سوق تقصر عنه اسواق المدن وحسبك من شرف موضوعها ان دجلة تسقى شرفيها والفرات يسقى غربيها وهي كالعروس بينهما والبسائط والقرى والمزارع متصلة بين هذين النهرين الشريفين المباركين
ومن شرف هذه القرية ايضا ان بازائها لجهة الشرق منها ايوان كسرى وامامها بيسير مداينه وهذا الايوان بناء عال في الهواء شديد البياض لم يبق من قصوره الا البعض فعايناها على مقدار الميل سامية مشرفة مشرقة واما المداين فخراب اجتزنا عليها سحر يوم الاربعاء الثالث لصفر فعاينا من طولها واتساعها مراى عجيبا
ومن فضائل هذه القرية ايضا ان بالشرق منها بمقدار نصف فرسخ مشهد سلمان الفارسي رضى الله عنه فما ختصت تربتها بهذا الدفين المبارك رضى الله عنه الا لفضل تربتها والقرية على شط دجلة وهي تعرض بينها وبين المشهدالكريم المذكور
وكنا سمعنا ان هواء بغداد ينبت السرور في القلب ويبعث النفس دائما على الانبساط والانس فلا تكادتجد فيها الا جذلان طربا وإن كان نازح الدار مغتربا حتى حللنا بهذا الموضع المذكور وهو على مرحلة منها فلما نفحتنا نوافح هوائها ونقعنا الغلة ببرد مائها احسسنا من نفوسنا على حال وحشة الاغتراب دواعي من الاطراب واستشعرنا بواعث فرح كأنه فرحة الغياب بالاياب وهبت بنا محركات من الاطراب أذكرتنا معاهد الاحباب في ريعان الشباب هذا للغريب النازح الوطن فكيف للوافد فيها على اهل وسكن