فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 201

ثم رفعنا ضحوة النهار من يوم الاحد وسرنا ونزلنا قريب العصر على ماء بئر بموضع فيه برج مشيد وآثار قديمة يعرف ببرج حواء فبتنا به ثم رفعنا منه بعد تهويم ساعة واسرينا الى الصباح فوصلنا مدينة حران مع طلوع الشمس من يوم الاثنين السابع لربيع المذكور والثامن عشر ليونيه والحمد لله على تيسيره ذكر مدينة حران كلاها الله

بلد لا حسن لديه ولا ظل يتوسط برديه قد اشتق من اسمه هواؤه فلا يألف البرد ماؤه ولا تزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه لا تجد فيه مقيلا ولا تتنفس منه الا نفسا ثقيلا قد نبذ بالعراء ووضع في وسط الصحرا فعدم رونق الحضارة وتعرت اعطافه من ملابس النضارة

استغفر الله كفى بهذا البلد شرفا وفضلا انها البلدة العتيقة المنسوبة لابينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم وله بقبليها نحو ثلاثة فراسخ مشهد مبارك فيه عين جارية كأن مأوى له ولسارة صلوات الله عليهما ومتبعدا لهما ببركة هذه النسبة قد جعل الله هذه البلدة مقرا للصالحين المتزهدين ومثابة للسائحين المتبتلين

لقينا من افرادهم الشيخ أبا البركات حيان ابن عبدالعزيز حذاء مسجده المنسوب اليه وهو يسكن منه في زاوية بناها في قبلته وتتصل بها في آخر الجانب زاوية لابنه عمر قد التزمها وأشبه طريقة ابيه فما ظلم وتعرفت منه شنشنة اعرفها من اخزم فوصلنا الى الشيخ وهو قدن نيف على الثمانين فصافحنا ودعا لنا وأمرنا بلقاء ابنه عمر المذكور فملنا اليه ولقيناه ودعا لنا ثم ودعناهما وانصرفنا مسرورين بلقاء رجلين من رجال الاخرة

ولقينا ايضا بمسجد عتيق الشيخ الزاهد سلمة فلقينا رجلا من الزهاد الافراد فدعا لنا وسألنا وودعناه وانصرفنا وبالبلد سلمة آخر يعرف بالمكشوف الراس لا يغطى رأسه تواضعا لله عز وجل حتى عرف بذلك ووصلنا الى منزله فأعلمنا انه خرج للبرية سائحا وبهذه البلدة كثيرمن اهل الخير واهلها هينون معتدلون محبون للغرباء مؤثرون للفقراء

واهل هذه البلاد من الموصل لديار بكر وديار ربيعة الى الشام على هذه السبيل من حب الغرباء وإركام الفقراء وأهل قراها كذلك فما يحتاج الفقراء الصعاليك معهم زادا لهم في ذلك مقاصد في الكرم مأثورة وشان اهل هذه الجهات في هذا السبيل عجيب والله ينفعهم بما هم عليه وأما عبادهم وزهادهم والسائحون في الجبال منهم فأكثر من ان يقيدهم الاحصاء والله ينفع المسلمين ببركاتهم وصوالح دعواتهم بمنه وكرمه

ولهذه البلدة المذكورة اسواق حفيلة الانتظام عجيبة الترتيب مسقفة كلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت