فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 201

وحفى لطفه ومعهود فضله سبحانه هو اهل ذلك جلت قدرته وتناهت عظمته لا اله سواه

وفي يوم الاربعاء الثالث والعشرين منه تحركت الريح الشرقية نسيما فاترا عليلا فاستبشرت النفوس بها رجاء في نمائها وقوتها فكانت نفسا خافتا ثم بعد ذلك غشى البحر ضببا رقيق سكنت له أمواجه فعاد كأنه صرح ممرد من قوارير ولم يبق للجهات الاربع نفس يتنسم فبقينا لاعبين على صحفة ماء تخاله العين سبيكة لجين كأنا نجول بين مساءين وهذا الهواء الذي يسميه البحريون الغليني

وفي ليلة الخميس الرابع والعشرين لرجب المذكور وهو اول يوم من نونتبر العجمي كان للنصارى عيد مذكور عندهم احتلفوا له في اسراج الشمع وكاد لا يخلو احدمنهم صغيرا او كبيرا ذكرا او انثى من شمعة في يده وتقدم فسيسوهم للصلاة في المركب بهم ثم قاموا واحدا واحدا لوعظمهم وتذكيرهم بشرائع دينهم والمركب يزهر كله اعلاه واسفله سرجا متقدة

وتمادينا على تلك الحالة أكثر تلك الليلة ثم اصبحنا بمثل ذلك الهواء الساكن واتصل بنا ذلك الى ليلة الاحدالسابع والعشرين منه فتحركت ريح شمالية فعاد المركب بها لجريته واستبشرت النفوس والحمد لله شهر شعبان المكرم عرفنا الله خيره وبركته

غم هلاله علينا فأكملنا عدة أيام رجب فهو على الكمال من ليلة الخميس بموافقة الثامن من نونتبر وقدتم لنا على ظهر البحر من يوم اقلاعنا من عكة اثنان وعشرين يوما حتى عدمنا الانس واستشعرنا القنط والياس وصنع الله عز وجل مأمول ولطفه الخفي بنا كفيل بمنه وكرمه

وقل الزاد بأيدي الناس لكن هم من هذا المركب بمنة الله في مدينة جامعة للمرافق فكل ما يحتاج شراؤه يوجد من خبز وماء ومن جميع الفواكه والادم كالرمان والسفرجل والبطيخ السندي والكمثري والشاه بلوط والجوز والحمص والبلاقلا نيا ومطبوخا والبصل والثوم والتين والجبن والحوت وغير ذلك مما يطول ذكره عاينا جميع ذلك يباع وفي خلال هذه الايام كله لم يظهر لنا بر والله يأتي بالفرج القريب

ومات فيه رجلان من المسلمين رحمهما الله فقذفا في البحر ومن البلغريين اثنان ايضا ومات منهم بعد ذلك خلق وسقط منهم واحد في البحر حيا فاحتملته الموج اسرع من خطفه البارق وورث هؤلاء الاموات من المسلمين والنصارى البلغريين رئيس المركب لانها سنة عندهم في كل من يموت في البحر ولا سبيل لوارث الميت الى ميراثه فطال عجبنا من ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت