فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 201

والسفر في الفصل الخريفي من نصف اكتوبر وفيه تتحرك الريح الشرقية ومدتها اقصر من المدة الربيعية وإنما هي عندهم خلسة من الزمان قد تكون خمسة عشر يوما وأكثر وأقل وما سوى ذلك من الزمان فالرياح فيه تختلف والريح الغربية اكثرها دواما فالمسافرون الى المغرب والى صقلية والى بلادالروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد صادق فسبحان المبدع في حكمته المعجز في قدرته لا إله سواه

وكنا طول هذه المدة التي اقمنا فيها على ظهر المركب نبيت في البر وتتفقدالمركب في الاحيان فلما كان سحر يوم الخميس العاشر لرجب المذكور والثامن عشر لاكتوبر اقلع المركب وكنا على عادتنا في البر بائتين ولم يحسن النهار للروم بأهبة السفر فضيعنا الحزم ونسينا المثل المضروب في اعداد الماء والزاد وألا يفارق الانسان رحله فأصبحنا والمركب لا عين له ولا أثر

فاكترينا للحين زورقا كبيرا له أربعة مجاذيف وأقلعنا نتبعه وكانت مخاطرة عصم الله منها فأدركنا المركب مع العشى فحمدنا الله عز وجل على ما من به وكان اول ذلك اليوم يوم شدتنا في هذا السفر الطويل وآخره والحمد لله يوم فرجنا ولله الحمد والشكر على كل حال

واتصل جرينا والريح الموافقة تأخذ وتدع نحو خمسة أيام ثم هبت علينا الريح الغربية من مكمنها دافعة في وجه المركب فأخذ رئيسه ومدبره الرومي الجنوي وكان بصيرا بصنعته حاذقا في شغل الرياسة البحرية يراوغها تارة يمينا وتارة شمالا طمعا الا يرجع على عقبه والبحر في أثناء ذلك هو ساكن

فلما كان نصف الليل او قريب منه ليلة السبت التاسع عشر لرجب المذكور والسابع والعشرين لاكتوبر تردت علينا الريح الغربية فقصفت قرية الصاري المعروف بالاردمون والقت نصفها في البحر مع ما اتصل بها من الشراع وعصم الله من وقوعها من المركب لانها كانت تشبه الصواري عظما وضخامة

فتبادر البحريون اليها وحط شراع الصاري الكبير وعطل المركب من جريه وصيح بالبحريين الملازمين للعشارى المرتبط بالمركب فقصدوا الى نصف الخشبة الواقعة في البحر وخرجوها مع الشراع المرتبط بها وحصلنا في أمر لا يعلمه الا الله تعالى وشرعوا في رفع الشراع الكبير وأقاموا في الاردمون شراعا يعرف بالدلون

وبتنا بليلة شهباء الى ان وضح الصباح وقد من الله عز وجل بالسلامة وشرع البحريون في اصلاح قرية اخرى من خشبة كانت معدة عندهم والريح الغربية على أول لجاجها ونحن بين اليأس والرجاء تتردد مغلبين حسن الثقة بجميل صنع الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت