وبالجملة فهن مع الرجال مسكينات مغبونات يرين البيت الكريم ولا يجلنه ويلحظن الحجر المبارك ولا يستملنه فحظهن من ذلك كله النظر والاسف المستطير المستشعر فليس لهن سوى الطواف على البعد وهذا اليوم الذي هو من عامالى عام فهن يرتقبنه ارتقاب اشرف الاعياد ويكثرن له من التأهب والاستعداد والله ينفعهن في ذلك بحسن النية والاعتقاد بمنه وكرمه
وفي اليوم الثاني منه بكر الشيبوين الى غسله بماء زمزم المبارك بسبب ان كثيرا من النساء ادخلن ابناءهن الصغار والرضع معهن فيتحرى غسله تكريما وتنزيها وازالة لما يحيك في النفوس من هواجس الظنون فيمن ليست له ملكة عقلية تمنعه من ان تصدر عنه حادثة نجس في ذلك الموطن الكريم والمحل المخصوص بالتقديس والتعظيم
فعند انسياب الماء عنه كان كثير من الرجال والنساء يبادرون اليه تبركا بغسل اوجههم وايديهم فيه وربما جمعوا منه في أوان قد اعدوها لذلك ولم يراعوا العلة التي غسل لها وكان منهم من توقف عن ذلك وربما لحظ الحال لحظة من لا يستجيزها ولا يصوب العقل في ذلك
وما ظنك بماء زمزم المبارك قد صب داخل بيت الله الحرام وماج في جنبات اركانه الكرام ثم بإزاء المتلزم والركن الاسود المستلم اليس جديرا بأن تتلقاه الافواه فضلا عن الايدي وتغمس فيه الوجوه فضلا عن الاقدام وحاشا لله ان تعرض في ذلك علة تمنع منه او شبهة من شبهات الظنون تدفع عنه والنيات عند الله تعالى مقبولة والثابرة على تعظيم حرماته برضاه موصولة وهو المجازى على الضمائر وخفيات السرائر لا اله سواه شهر شعبان المكرم عرفنا الله بكرته
استهل هلاله ليلة السبت التاسع عشر لشهر نوفمبر وفي صبيحته بكر الامير مكتر الى الطواف على العادة في ذلك رأس كل شهر مع اخيه وبنيه ومن حرى الرسم باستصحابه من القواد والاشياع والاتباع وعلى الاسلوب المتقدم الذكر والزمزمي يصرخ في مراقبته على عادته متناوبا مع اخيه صغيره
وفي سحر يوم الخيمس الثالث عشر منه وهو اول يوم من دجنبر بعدطلوع الفجر كسف القمر وبدأ الكسوف والناس في صلاة الصبح في الحرم الشريف وعاب مكسوفا وانتهى الكسوف الى ثلثيه والله يعرفنا حقيقة الاعتبار بآياته
وفي يوم الجمعة الثاني من ذلك اليوم اصبح بالحرم امر عجيب وذلك انه لم يبق بمكة صبي الا وصبحه واجتمعوا كلهم في قبة زمزم وينادون بلسان واحد هللوا وكبروا يا عباد الله فيهلل الناس ويكبرون وربما دخل معهم من عرض العامة من ينادى معهم بندائهم والناس والنساء يزدحمون على قبة البئر المباركة لانهم يزعمون بل يقطعون قطعا جهليا لا قطعا عقليا ان ماء زمزم يفيض ليلة النصف من شعبان