وهذه العين الثانية عجب من عجائب مخلوقات الله عز وجل وذلك انها نابعة تحت الارض من الحجر الصلد بنحو اربع قامات او ازيد وتيسع منعبها حتى يصير صهريجا في ذلك العمق وبعلو بقوة نبعه حتى يسيل على وجه الارض فربما يروم السابح القوى السباحة الشديد الغوص في أعماق المياه ان يصل بغوصه الى قعره فيمجه الماء بقوة انبعاثا من منعه فلا يتناهى في غوصه الى مقدار نصف مسافة العمق او اقل شيئا شاهدنا ذلك عيانا
وماؤها اصفى من الزلال وأعذب من السلسبيل يشف عما حواه فلو طرح الدينار فيه في الليلة الظلماء لما أخفاه وبصاد فيها سمك جليل من اطيب ما يكون من السمك
وينقسم ماء هذه العين نهرين احدهما آخذ يمينا والاخر يسارا فالايمن يشق خانقة مبنية للصوفية والعرباء بازاء العين وهي تسمى الرباط ايضا والايسر ينسرب على جانب الخانقة وتفضى منه جداول الى مطاهرها ومرافقها المعدة للحاجة البشرية ثم يلتقيان اسفلها مع نهر العين الاخرى العليا وقد بنيت على شط نهرهما المجتمع بيوت ارحى تتصل على شط موضوع وسط النهر كأنه سد ومن مجتمع ماء هاتين العينين منشأ نهر الخابور
وبمقربة من هذه الخانقة بحيث تناظرها مدرسة بازائها حمام وكلاهما قد وهى واخلق وتعطل وما أرى كان في موضوعات الدنيا مثل موضوع هذه المدرسة لانها في جزيرة خضراء والنهر يستدير بها من ثلاثة جوانب والمدخل اليها من جانب واحد وامامها ووراءها بستان وبإزائها دولا ب يلقى الماء الى بساتين مرتفعة عن مصب النهر
وشأن هذا الموضع كله عجيب جدا فغاية حسن القرى بشرقي الاندلس ان يكون لها مثل هذا الموضع جمالا او تتحلى بمثل هذه العيون ولله القدرة في جميع مخلوقاته
وأما المدينة فللبداوة بها اعتناء وللحضارة عنها استغناء لا سور يحصنها ولا دور انيقة البناء تحسنها قد ضحيت في صحرائها كانها عوذة لبطحائها وهي مع ذلك كاملة مرافق المدن ولها جامعان حديث وقديم فالقديم بموضع هذه العيون وتتفجر امامه عين معينة هي بدون اللتين ذكرناهما وهو من بنيان عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه لكنه قد اثر القدم فيه حتى آذن بتداعيه والجامع الاخر داخل البلد وفيه يجمع أهله فكان مقامنا بها ذلك اليوم نزهة لم نختلس في سفرنا كله مثلها
فلما كان عند المغيب من يوم السبت الخامس لربيع المذكور وهو السادس عشر ليونيه رحلنا منها رغبة في الاساد وبرد الليل وتفاديا من حر هجيرة التأويب لأن منها الى حران مسيرة يومين لا عمارة فيها فتمادى سيرنا الى الصباح ثم نزلنا في الصحراء على ماء جب وأرحنا قليلا