الخامس: فقد رجع بكفره ، وليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير ، كونه جعل أخاه المؤمن كافرًا ، فكأنه كفر بنفسه ، إما لأنه كفر من هو مثله ، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر ، يعتقد بطلان الإسلام انتهى .
وقال ابن دقيق العيد ، في قوله رحمه الله: (( ومن دعا رجلًا بالكفر ، وليس كذلك ، إلا حار عليه ) )أي: رجع عليه ، وهذا وعيد عظيم لمن كفر أحدًا من المسلمين ، وليس هو كذلك ، وهي ورطة عظيمة ، وقع فيها خلق من العلماء ، اختلفوا في العقائد ، وحكموا بكفر بعضهم بعضًا .
ثم نقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني ، أنه قال: لا أكفر إلا من كفرني ، قال: وربما خفي هذا القول على بعض الناس ، وحمله على غير محمله الصحيح ، والذي ينبغي أن يحمل عليه ، أنه لمح هذا الحديث الذي يقتضي: أن من دعا رجلًا بالكفر وليس كذلك ، رجع عليه الكفر ، وكذلك قوله صلى الله عليه و سلم: (( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) ).
وكان هذا المتكلم ، أي: أبو إسحاق ، يقول: الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين ، إما المكفِّر أو المكفَّر ، فإذا كفرني بعض الناس ، فالكفر واقع بأحدنا ، وأنا قاطع أني لست بكافر ، فالكفر راجع إليه . انتهى .
فظاهر كلام أبي إسحاق: أنه لا فرق بين المتأول وغيره ، والله أعلم ، وما نقله القاضي عن مالك ، من حمله الحديث على الخوارج ، موافق لإحدى الروايتين عن أحمد ، في تكفير الخوارج ، اختارها طائفة من الأصحاب وغيرهم ، لأنهم كفروا كثيرًا من الصحابة ، واستحلوا دماءهم وأموالهم ، متقربين بذلك إلى الله ، فلم يعذروهم بالتأويل الباطل ، لكن أكثر الفقهاء على عدم كفرهم ، لتأويلهم ، وقالوا: من استحل قتل المعصومين ، وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر ، وإن كان استحلالهم ذلك بتأويل كالخوارج لم يكفر ، والله أعلم .