المسألة الثانية: أن تكفير الشخص المعين وجواز قتله ، موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية ، التي يكفر من خالفها ... إلى آخره ، يشمل كلامه من لم تبلغه الدعوة ، وقد صرح بذلك في موضع آخر ، ونقل ابن عقيل عن الأصحاب: أنه لا يعاقب ، وقال: إن الله عفا عن الذي كان يعامل ويتجاوز ، لأنه لم تبلغه الدعوة ، وعمل بخصلة من الخير .
واستدل لذلك بما في صحيح مسلم مرفوعًا (( والذي نفسي بيده ، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، يهودي أو نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار ) )قال في شرح مسلم: وخص اليهودي والنصراني ، لأن لهم كتابًا ، قال ، وفي مفهومه: أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور ، قال: وهذا جار على ما تقرر في الأصول ، لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح . انتهى .
وقال القاضي: أبو يعلى ، في قوله تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا } [ الإسراء: 15] في هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلًا ، وإنما تجب بالشرع ، وهو بعثة الرسل ، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك ، لم يقطع عليه بالنار . انتهى .
وفيمن لم تبلغه الدعوة قول آخر: أنه يعاقب ، اختاره ابن حامد ، واحتج بقوله { أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [ القيامة: 36 ] والله أعلم ، فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه و سلم، وبلغه القرآن ، فقد قامت عليه الحجة ، فلا يعذر في عدم الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل .
وقد أخبر الله سبحانه: بجهل كثير من الكفار ، مع تصريحه بكفرهم ، ووصف النصارى بالجهل ، مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم ، ونقطع: أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون ، فنعتقد كفرهم ، وكفر من شك في كفرهم .