وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر ، والشك هو التردد بين شيئين ، كالذي لا يجزم بصدق الرسول صلى الله عليه و سلم ولا كذبه ، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه ، ونحو ذلك ، كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها ، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولاعدم تحريمه ، وهذا كفر بإجماع العلماء ، ولا عذر لمن كان حاله هكذا ، بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته ، لأنه لا عذر له بعد بلوغها ، وإن لم يفهمها .
وقد أخبر الله تعالى عن الكفار: أنهم لم يفهموا ، فقال: { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا } [الأنعام: 25] وقال: { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } [ الأعراف: 30 ] فبين الله سبحانه: أنهم لم يفقهوا ، فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار ، كما في قوله تعالى: { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا ، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا } الآية [ الكهف: 103-105] .
قال الشيخ: أبو محمد ، موفق الدين بن قدامة ، رحمه الله ، لما انجر كلامه في مسألة: هل كل مجتهد ، مصيب أم لا ؟ ورجح أن ليس كل مجتهد مصيبًا ، بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين ، قال: وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام، إذا نظر فعجز عن إدراك الحق ، فهو معذور غير آثم - إلى أن قال - أمَّا ما ذهب إليه الجاحظ ، فباطل يقينًا ، وكفر بالله تعالى ، ورد عليه وعلى رسوله .
فإنا نعلم قطعًا: أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه ، وذمهم على إصرارهم ، وقاتل جميعهم ، وقتل البالغ منهم ، ونعلم: أن المعاند العارف مما يقل ، وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليدًا ، ولم يعرفوا معجزة الرسول صلى الله عليه و سلم وصدقه .