5-ونختم هذه الأدلة بحديث خاص بإعذار المجتهد المخطيء في الأحكام، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم-:"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، و إذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (1) قال الحافظ الخطيب البغدادي - رحمه الله: (فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للمخطيء فيما أخطأ فيه أجر، وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثم لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ؟ فالجواب، أن هذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يجعل للمخطيء أجرًا على خطئه، و إنما جعل له أجرًا على اجتهاده، وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده، و أما المصيب فله أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته) (2) ، واستدل جمهور العلماء بهذا الحديث على تخطئة بعض المجتهدين ممن لم يصب الحق و أن الحق مع أحدهم أو بعضهم، وفيه رد على من قال: كل مجتهد مصيب، يقول الإمام ابن قدامة - رحمه الله-: (والحق في قول واحد من المجتهدين ومن عداه مخطيء، سواء كان في فروع الدين أو أصوله) (3) ، ثم ذكر الأدلة على ذلك ومنها هذا الحديث، وقال الإمام الزركشي (4) : (
(1) رواه البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد.."الفتح 13/318، ومس-لم الأقضية،"باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد.."شرح النووي 12/13."
(2) الفقيه والمتفقه 1/191، وانظر البحر المحيط للزركشي 6/262، والأحكام لابن حزم 2/652 وغيرها.
(3) روضة الناظر، 193.
(4) الزركشي: هو محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، عالم بفقه الشافعية و الأصول، ولد بمصر سنة 745ه-، له تصانيف كثيرة منها"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة"، و"البحر المحيط"ويبلغ ست مجلدات، وهو من أوسع الكتب في أصول الفقه، توفي بمصر سنة 794ه-، انظر الدرر الكامنة 3/397، شذرات الذهب 6/335، الأعلام 6/60، 61..