لمّا كانت كلُّ هذه الأمور مُجْتَمِعةً في وقت واحد، كان على البليغ أن يختار بلاغيًّا لبيانه ما هو الأبلغ والأَجمل المطابق لمقتضى الحال، وكان مسؤولًا عن هذا الاختيار.
لكنَّ مراتبَ أذواقِ الْبُلَغاء متفاوتة متفاضلة، ومراتب الاختيارات الجماليّة متفاوتة متفاضلة أيضًا، لذلك كان لا بُدَّ أَنْ تتفاوت بلاغة الكلام، وتتفاضَل نِسَبُ الجمال فيه، بحسب تَفَاوُتِ الاختيارات، وتفاضل مستوياتها.
المقدمة الرابعة:
وللجملة في اللّسان العربيّ نظامٌ أصليٌّ ينبغي ملاحظته لدى ترتيب عناصرها، واحتمالاتٌ فرعيّة جائزة يتمُّ بها تقديم ما حقُّه الأصليُّ التأخير، لأغراضٍ بلاغيّةٍ أو جماليّة.
لذلك كان على البليغ الذّوّاق للأدب الرفيع أن يتقيّد بنظام ترتيب عناصر الجملة، ولا يلجأ إلى الاحتمالات الفرعيّة الجائزة إلاَّ لأسباب بلاغيّةٍ أو جمالية دَعَتْهُ إلى ذلك.
والباحثُ البلاغيُّ يُنَبِّهُ على طائفةٍ من الأغراض البلاغيّة أو الجمالية الداعية إلى مخالفة النظام الأصلي في ترتيب عناصر الجملة الكلاميّة، حتَّى يهتدي بها منشىء البيان الكلامي، ويَتَحرَّى فيما ينشىء من قول ما هو الأبلغ والأجمل دوامًا، قدر استطاعته وتذوُّقِه لدقائق المعاني ومستويات الجمال.
المقدمة الخامسة:
ولدى إنشاء الكلام ومتابعة بناء بعضه على بعض، ورصْفِ بعضه إلى جانب بعض، يلاحظ كلُّ ذي فكرٍ متذوّقٍ لأساليب الكلام، أنّه تُوجَدُ طرائق وأساليب يقتضيها ظاهر النَّسّق، فالمتكلّم يتابعها بتلقائيّة، كتتابع الماء في مَجرىّ متماثل الأجزاء، ليس فها انحرافٌ ولا دورانٌ ولا الّتِوَاء، وليس فيها صَواعِد ولا نوازل.