فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 894

ولكِنْ قد تدْعو دواعي بلاغيّة أو جمالية إلى مخالفة مقتضى الظاهر في الكلام، كما تدعو دواعي نفعيّة لعطف مجرى الماء عن نَسَقه المتماثل، أو تدعو دواعي جماليّة لإِيجاد دوائر ومنعطفات، وصواعد ونوازل في مجرى الماء، لإِحْدَاث مشاهد جماليّة بديعة لا تتحقّق بمتابعة النَّسَق المتماثل.

والباحثُ البلاغيُّ يُنَبِّهُ على طائفة من الأغراض البلاغيَّةِ أو الجماليّة الداعية إلى مخالفة مقتضى ظاهر النسق الكلامي، ليهتَديَ بهَدْيِها مُنْشِىءُ البيان، ويتحرَّى فيما ينشىء من قولٍ ما هو الأبلغ والأجمل دوامًا قدر استطاعته، وتذوُّقِه لدقائق المعاني، ومستويات الجمال.

خاتمة:

هذه الأحوال التي تَقَدَّم الحديث عنها مجملًا في المقولات الخمس السابقات، تتطلّبُ دراسة تفصيليّة مُدَعَّمَةً بالأَمثلة والشواهد المقرونة بالتحليل، ليستفيد منها دارس علوم البلاغة وفنونِها في تحقيق أربع غايات، وهي ما يلي:

الغاية الأولى: حُسْنُ تَفَهُّم وتَدَبُّر النَّصوص البليغة الرفيعة من القرآن المجيد، وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وكلام أساطين البلغاء والشعراء.

الغاية الثانية: اكتساب القدرة على نقد النصوص المشتملة على ما هو سمين وغثٌ من الكلام، وبيان ما في النصوص التي يَنْقُدُها من محاسن وعيوب بلاغيّة وأدبيّة.

الغاية الثالثة: اكتسابُ الذوق الرفيع الذي يُحِسُّ بمواطن البلاغة والجمال الأدبيّ.

الغاية الرابعة: الاهتداءُ بهَدْي ما أعطَتْهُ الدراسة، لدى إنشاء الكلام، وكتابةِ المقالات والخطب والرسائل والمؤلفات، واكتسابُ الدافع الذّاتي لِتَحَرِّي ما يَرَاه الأَبْلَغَ والأجْمَل فيما يُنْشِىءُ من بيان، ولا سيما حينما يقول بوظيفة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والأَمْرِ بالمعروف والنّهي عن المنكر.

ولا يَفُوتُنا أخيرًا ملاحظةُ أَنَّ حظوظ الناس فيما يستفيدونه من دراستهم متفاوتة متفاضلة، وهي تكون بحسب هِبَاتِهم الفطريّة، من الاستعداد لتَذَوُّق البيان الرفيع، وصناعَةِ الكلام البليغ وصياغته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت