لقد كان يكفي أن يقول موسى عليه السلام في جواب سؤال ربّه:"عَصَايَ"دون أن يقول: {هِيَ عَصَايَ} .
وكان من الممكن أن يقتصر على بيان أنها عصاه، دون أن يشرح أعماله فيها بقوله: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) } .
وكان من الممكن أن يقول الله عزّ وجلّ له: {أَلْقِهَا} دون أن يناديَهُ {يامُوسَى} .
لكن دعَا إلى بسط الكلام وإطالةِ الحديث رغبةٌ الإِيناسِ مِنَ الرَّبّ عزّ وجلّ، ورغبةُ التشرّف والاستئناس والتلذّذ بطول المحادثة من موسى عليه السلام.
المثال الثالث:
في قصّة إبراهيم عليه السّلام وتحطيمه أصنام القوم التي كانت على أشكال الناس، إلاَّ كبيرًا لهم، وذلك حين خرج القوم من بلدتهم لعيدٍ لهم ولم يخرج معهم إبراهيم عليه السلام، جاء فيها بيانُ سؤال قومه له عمّن حطّم أصنامهم، فأجابهم عليه السلام جوابًا فيه تعريض بغباوتهم، إذْ ذَكَرَ في كلامه ما يُمْكن فَهْمُه لو حذفه، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) :
{قَالُواْ مَن فَعَلَ هَاذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُواْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَاذَا بِآلِهَتِنَا ياإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَاذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ (63) } .
لَقَدْ كَان يكفي أن يقول لهم:"بل فعله كبيرهم"أو يقول لهم:"بل فعله هذا"لكنّه شعر أنّهم أغبياء إذْ يُدَافِعونَ عن آلهتهم من الأصنام التي حُطِّمَتْ ولم تستطعْ أن تُدَافع عن أَنْفُسِها، ولم يُقْنِعهم تحطيمها بأنّها لو كانت تملك لأنفسها أو لغيرها نفعًا أو ضرًّا لحمت أنفسها من التحطيم، ولمنَعتْ مُحَطِّمَها من أن يجعلَهَا جُذاذا.