والداعي البلاغي للحذف هنا: الإِيجاز والتشويق بالإِبهام ليأتي البيان بعده شافيًا، مع داعي إمتاع أهل الفكر بالاستنباط والاستخراج الفكري، اعتمادًا على دلالات القرائن.
المثال العاشر:
قول الله عزّ وجلّ في سورة (النجم/ 53 مصحف/ 23 نزول) :
{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) } .
وقوله فيها:
{وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) } .
جاء في أفعال هذه الآيات الثلاث حذف المفعول به تنزيلًا للفعل المتعدي منزلة الفعل اللازم، إذ الغرض بيان أنّ الله عزّ وجلّ هو الذي تكون بخلقه هذه الأفعال التي تحدث في الناس، فذكْرُ المفعول به إطناب لا لزوم له، إذْ هو خارج عن المقصود بالبيان.
ونظيره قول إبراهيم عليه السلام لنمرود في محاجته له، كما جاء في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ...} [الآية 258] .
أي: هو الذي يكون بخلقه الإِحياء والإِماتة.
المثال الحادي عشر:
قول عمر بن معديكرب يصف تخاذل قومه، ويُبيّن أن رماحهم المتخاذلة قَطَعَتْ لسانه عن الافتخار بهم والثناء عليهم.
*فَلَوْ أنَّ قَوْمِي أنْطَقَتْنِي رِمَاحُهُمْ * نَطَقْتُ وَلَكِنَّ الرِّمَاحَ أَجَرَّتِ*
أجَرَّت: يقال: أجرَّ فَلانٌ لسانَه إذ منَعَهُ الكلام.
فحذف مفعول"أجرّت"ومرادُه منَعَتْ لساني عن الثناء على قومي والافتخار بهم، وغرضه الإِيجاز لِلْعِلْم بالمحذوف، وللإِشارة إلى أنّ تخاذل القوم يُسكت لسان المفتخر مهما كان شأنه، مع مراعاة قافية قصيدته التي جاءت على التاء.
المثال الثاني عشر:
قول البحتري يمدح يوسف بن سعيد:
*لَوْ شِئِْتَ لَمْ تُفْسِدْ سَمَاحَةَ حَاتِمٍ * كَرَمًا وَلَمْ تَهْدِمْ مَآثِرَ خَالِدٍ*