فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 894

وقد يُحَوِّل الناطق العربيّ الْقُحُّ تعبيره إلى جملة مبتَدَؤُها وخبرها اسمان وفيها تحقيق ما يريد من قوّة، ما يريد من إشعارٍ بالْبَدْءِ بما هو محَلُّ اهتمامه، أو محلُّ اهتمام المخاطب، فيقول:"المطرُ نَازِلٌ من السماء"أو"المَطَرُ مُنَزَّلٌ من السماء"إذْ يُدرِكُ أنّ في الخبر"نَازِل - مُنزّل"ضميرًا مستترًا يعود على المبتدأ، فالأول"اسم فاعل"والثاني"اسم مفعول"وهما يحملان الضمير كالفعل، ويعملان عمله.

وقد نلاحظ في استعمالات العرب الفصحاء البلغاء لتقديم المسند إليه وفق البيان السابق، أنّ التقوية المستفادة من هذا التقديم قد ترقَى إلى مستوى التخصيص والحصر، ولا سيما المسند إليه المسبوق بنفي، مثل أن يقول المتهم بسرقةِ مَنْزِلٍ حصلت فيه سرقَةٌ فعلًا:"ما أنا سرقتُ المنزل"أو"ما أنا سارقٌ المنزل"أي: بل غيري هو الذي سرقه، فقَصَرَ نَفْي السّرقة على نفسه، ولم يَنْفِ حصول السرقة نفيًا كليًّا.

يضاف إلى ما سبق أنّ ما يعتني الإِنسان بتفخيمه وتعظيمه في كلامه يحاول تقديمه على غيره في الذكر، كما يقدَّم العظماء في المجالس والمواقف.

وكذلك ما يريد توجيه العناية له في أمْرٍ من الأمور، نظير تقديم العروسين في ليلة عرسهما، وتقديم المتخرجين لتسليمهم شهاداتهم، وتقديم المتفوقين لتسليمهم جوائز تفوّقهم.

وعلى نظير ذلك نلاحظ البدء بطرق المسامع بالمسند إليه في مجال الافتخار، ولدى إرادة تعجيل المسرّة بالبشرى والوعد ونحوهما، أو تعجيل المسَاءَة بالإِنذار والوعيد ونحوهما، ولدى الرغبة في تعجيل التلَذُّذ بذكره، ولدى الإِشعار بأنه حاضر في التصوّر لا يغيب عنه، فهو يَسْبِقُ غيره إلى النُّطق به، ولدى الإِشعار بالاهتمام بمدحه أو ذمّه، إلى غير ذلك ممّا قد يلاحظه فطناء البلغاء.

وفي كلّ الأحوال ترجع مزايا التقديم إلى أمرين رئيسين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت