الملاحظة الاولى: حول كلمتي"مثل - غير".
ذكر علماء البلاغة أنّ كلمتي"مثل"و"غير"تلازمان التقديم في التراكيب البليغة، إذا أُرِيد بهما الكناية عن الشخص الذي يجري الحديث عنه. كأنْ تقول له:
*"مثْلُكَ لاَ يَبْخَل - مثلُكَ لا يقصر في فعل الخير - مثلك لا يترك الصلاة المفروضة عامدًا".
أي: أنت لا تفعل ذلك، دون أن تريد التعريض بغيره، مُومِئًا إلى أن من تُعَرّضُ به يتصف بالبخل، أو بالتقصير في فعل الخير، أو بترك الصلاة المفروضة عمدًا.
*"غَيْرُك يُسِيءُ إلى أصدقائه - غيرك لا يُعاشر أهْلَهُ بالمعروف - غيرُكَ يمنَعُ الزكاة."
أي: أنت لا تسيءُ إلى أصدقائك - وأنت تُحْسِن معتاشرة أهلك بالمعروف - وأنت لا تمنع الزكاة، دون أن تريد التعريض بغيره، مُومِئًا إلى أن من تعرّض به يسيءُ إلى أصدقائه، أو لا يعاشر أهله بالمعروف، أو يمنع الزكاة.
* ومنه قول المتنبي من قصيدة يُعَزِّي بها أبا شجاع عضد الدولة وقد ماتتْ عمّته:
*مِثْلُكَ يَثْني الْحُزْنَ عَنْ صَوْبِهِ * وَيَسْتَرِدُّ الدَّمْعَ عَنْ غَرْبِهِ*
*وَلَمْ أَقُلْ"مِثْلُكَ"أَعْنِي بِهِ * سِوَاكَ يَا فَرْدًا بِلاَ مُشْبِهِ*
يَثْنِي: أي: يَعْطِفُ ويَصْرِف.
عَنْ صَوْبِهِ: أي: عن قَصْدِه.
عن غَرْبِهِ: أي: عن مجراه. الْغَرْبُ: مجْرَى الدَّمْعِ وَجميعه"غروب".
والمعنى: أنت تقدر أن تَعْطِفَ وتصرفَ الحزْنَ عن قصده حين يتوجه لنفسك وقلبك، بالحكمة والصّبْر.
وأنت تستطيع أن تسترجع بقوّة احتمالك وبالغ عزمك الدمعَ عن مجراه، وتمنعَهُ من متابعة الجري.