جاء في هذه النصوص تقديم المسند وهو {لَهُمْ} على المسند إليه وهو {عَذابٌ أليم - عذابٌ مقيم - عذاب عَظيمٌ} لئلا يسبق إلى التوهّم أن المسند قد سيق على سبيل النعت للمسند إليه، وأن الخبر لم يأتِ بَعْدُ، مع ما في هذا التقديم من مراعاة داعٍ جمالي في اللفظ، اقتضته رؤوس الآيات.
الداعي الثالث: أن يكون في المسند ما يدعو إلى التفاؤل بالخير أو التشاؤم من الشرّ، ويريد موجّه القول المبادرة بما يحدثُ في نفس المتلقّي من التفاؤل أو التشاؤم.
كأن تقول لمن تريد أن يحسَّ بالتفاؤل: مع أذان الفجر أو عند شروق الشمس وِلادَة ابنك.
وكأن تقول لمن تريد إثارة تشاؤمه وقد سأل متى يكون زواجه: حين تصيح الْبُومةُ زَواجُك.
ومن إرادة الإِشعار بالتفاؤل، قول الشاعر:
*سَعِدَتْ بغُرَّةِ وَجْهِكَ الأَيَّامُ * وتَزَيَّنَتْ بِلقَائِكَ الأَعْوَامُ*
الداعي الرابع: إرادة التشويق إلى ذكر المسند إليه، ويكثرُ هذا الداعي في المدح والوعظ.
* فمن أمثلته في المدح قول محمد بن وهب يمدح المعتصم:
*ثَلاَثَةٌ تُشْرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا * شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ والْقَمَرُ*
* ومن أمثلته في الوعظ، قول ابي العلاء المعرّي:
*وَكَالنَّارِ الْحَيَاةُ فَمِنْ رَمَادٍ * أَوَاخِرُهَا وَأَوَّلُهَا دُخَانُ*
* ومن أمثلته قول الشاعر:
*ثلاثَةٌ لَيْسَ لَهَا إِيَابُ * الْوَقْتُ والْجَمَالُ والشَّبَابُ*
(5) دواعي تقديم متعلقات الفعل عن مراتبها
ذكر عُلَمَاءُ البلاغة طائفةً من الدواعي البلاغية لتقديم ما هو من متعلقات الفعل عن مرتبته، ويمكن أنْ تضاف إليه طائفةٌ أُخرى مما سبق عرضه في تقديم المسند إليه، وتقديم المسند، وطائفةٌ أخرى ممّا تتفق عنه قرائح البلغاء والفطناء.
يُقْصَدُ من متعلقات الفعل المفعولُ به، والجارُ والمجرور، والظّرف، والمفعولُ المطلق، والمفعولُ معه، والمفعولُ لأجله، والحالُ، والتمييزُ في أحوال قليلة ونادرة.