مع الكتاب والسنة:
وقبل أن أختم هذه الملاحظات حول بعض مؤلفاته أحب أن أقف قليلًا على كتابه في (العقيدة الإسلامية وأسسها) وهو باكورة مؤلفاته ، إذ كان بعضه مذكرات كتبها لمادة التوحيد في الثانويات الشرعية ، ثم أتمها في صورة كتاب أيام ألقت به السياسة في تلك الغرفة ـ أو الزاوية ـ باسم (عضو بحوث) ..
ومن إحدى إجاباته عن الاستطلاع يفهم أنه بدأ تدريس هذه المادة أول الأمر على طريقة المتكلمين ثم اتجه (لدراسة العقائد على منهج السلف غير ملتزم بآراء أشعرية أو ماتريدية خاصة ، بل بما تدل عليه آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة..) وهذا ما دفعه إلى إجراء بعض التعديلات على الكتاب في طبعته الثانية والثالثة .. وبخاصة في موضوع الصفات .. ولا ريب أن في ذلك التعديل دليلًا على التحرر من العصبية التي تفرض على كثير من أهل العلم ، حتى لا يجدوا غضاضة في مخالفة صحيح الحديث لمجرد أن بعض شيوخهم لم يأخذوا به !..
الإسلام هو البديل:
وانتقلنا إلى استطلاع رأيه في مستقبل الإسلام على ضوء الوقائع المتعلقة به والحملات المركزة في تشويه صورته ، والإساءة إلى سمعة دعاته فكان جوابه:
إن الإسلام هو قاعدة الحضارة التي ستخلف حضارة الغرب الراهنة ، بعد أن أخفقت هذه في ميدان السلوك الإنساني ، على الرغم من تقدمها الباهر في نطاق استخدام المادة .. ومن هناك يأتي التوكيد على أن البديل الوحيد لتلك الحضارة المفلسفة هو العودة إلى الدين ، وقد أثبتت التجارب البشرية أن الدين المؤهل لمهمة الاستخلاف ، والجامع بين المادية والإنسانية هو الإسلام ، ولا عجب فإن الدين عند الله هو الإسلام ..
أما بشأن موقف الإعلام المفسد من حملة الدعوة الإسلامية فهو يرى أنه موقف المهزوم ، الذي لم يبق لديه من سلاح يواجه به الخصم سوى المفتريات ، التي يحاول بها صرف العامة عما لدى ذلك الخصم من الحقائق . وهي محاولة يتضح إخفاقها يومًا بعد يوم ، وستنتهي إلى نفس المصير الذي انتهت إليه محاولات المفترين السابقين .
رؤى غير متفائلة:
وهنا يأخذ الشيخ في بسط أفكاره عن أصناف الدعاة فلا يكاد يلمح بينهم الجماعة التي يريد ، وكأنه بذلك يسوغ عزلته عن المشاركة في أي من الأنشطة الجماعية ، التي يموج بها العالم الإسلامي في مختلف أقطاره ، وهو موقف لا يكاد يجد من يقره عليه غير أولئك الذين ضعفت كواهلهم عن المشاركة في تحمل المسئوليات العامة ، وليس هو منهم ولله الحمد ..
والحديث عن مستقبل الإسلام ودعاة الإسلام لا بد أن يخلص بنا إلى الكلام عن أثر الأستاذ الجامعي في تكوين الجيل الإسلامي الصالح للإسهام في بناء المستقبل . وفيلا هذا الصدد يقول فضيلته: إن مردود النظم الجامعية في هذا الميدان دون ما يتوقع بكثير .. لأن القيود التي تثقل هذه النظم لا تسمح للمدرس الجامعي مهما جد وأخلص أن يتحرك في محاولة الإصلاح إلا في نطاق محدود ..
وفي رأيه أن العمل الوظيفي المأجور يظل محدود الأثر لدى المتلقين ، فهو قد يعطي علمًا بيد انه لا ينشئ النماذج المنشودة . ذلك لأن الجيل الناشئ في أوساط الجامعات ومعاهد التعليم المنظورة مؤلف من أخلاط غير متناسقة ولا منسجمة فالنتيجة أن يكون جيلًا غير موحد الاتجاه ..
مع الأدب الإسلامي:
أما وقد شارفنا نهاية الاستطلاع فليكن في أخرياته هذا السؤال:
الدعوة إلى الأدب الإسلامي أخذت سبيلها إلى التركيز والتثبيت ، فكيف تنظرون إلى حاضرها ومستقبلها ؟!..
ويجيب الأستاذ الأديب الشاعر قائلًا: هذه الدعوات ظفرت ببعض الاهتمام من ذوي التخصص الأدبي وحاضرها ماثل بين الاندفاع العاطفي ومحاولات التأصيل إلى جانب عقبات تواجهها من أنانيات وخصوم .
أما مستقبلها فمتوقف على توافر الموهوبين الذين يكتبون أدبًا إسلاميًا .. وهو أدب لا تكفي فيه العاطفة ، ولا يصلح له المتحمسون غير الموهوبين .. وعلى أنصار الأدب الإسلامي الحق من ذوي الأصالة أن يعملوا على إبراز أعمال أولي المواهب من المعنيين بالأدب الإسلامي أو أدب الدعوة في إنصاف برئ من الأنانيات الفردية و (التكتلية..) !
ونحن نثبت تعبيره الأخير دون أن نتبين مراده منه ، إلا أن يكون ذا صلة بموقف الآنف ممن يسميهم (المتصدين للدعوة) .. وهو موقف لا يخلو من بعض حرارة النقد التي من شأنها إحداث الاهتزاز في بعض أفكاره ..
وأخيرًا:
وكان بودنا أن نختم هذا العرض بنماذج من شعر الأستاذ الممثل لخصائصه الفنية ذات التذوق البلاغي الرفيع ، ولكن الذي تفضل به علينا من مطبوعاته الشعرية لا يعدو أن يكون لونًا من الشعر التعليمي ذي الطابع الموضوعي ، وهو في رأينا غير الشعر الوجداني المنطلق من أعماق المشاعر الذاتية .. ولعل الصديق الكريم يتحفنا ببعض ما يمثل هذا الجانب الخاص من حياته الوجدانية ، فنجعله خاتمة المطاف .. والله الموفق والمستعان
صراع مع الملاحدة حتى العظم
لفضيلة الشيخ محمد شريف الزيبق
المدرس بكلية الدعوة بالجامعة
ظهر حديثًا هذا الكتاب ومؤلفه الأستاذ عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني، وهو في خمس مائة صحيفة، وهو الحلقة الثانية للمؤلف من"سلسلة أعداء الإسلام"وكانت الحلقة الأولى"مكايد يهودية عبر التاريخ".
والإلحاد من أبرز سفاهات الإنسان ومن أشنع حماقاته، وقد دفعه إليه قديمًا وحديثًا تكبره وفجوره، وظلمه وإجرامه، وغفلته وجهله، وهو قديم في البشر قدم هذه الآفات فيهم، ولكنه فشا في العصر الحديث بصورة تلفت النظر، وتدعو إلى التفكر، وقد بات من الجلي أمام الباحثين أن أبرز من ينشر الإلحاد في هذا الزمان أعداء الله والبشرية (اليهود) ، وأن الشيوعية الملحدة وسيلة من وسائلهم في نشره، وأن مقصدهم من وراء ذلك هدم إنسانية الإنسان ليصير حيوانًا بشريًا يمكنهم امتطاؤه وتسخيره لمصالحهم، كما يصرحون بذلك في (تلمودهم) وفي (بروتوكولاتهم) ، كما اتضح أن عداء البابوية للعلم والعلماء في فجر النهضة الأوربية كان من أسباب انتشار الإلحاد أيضًا.
والعجيب في إلحاد هذا الزمان أنه يضرب بسيف العلم، ويدفع عقيدة الإيمان بالله سبحانه بحجة أن العلم يأباها، وأن الدين والعلم متناقضان {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} ، ولهذا شن الملحدون معركة ضد الدين عامة وضد الإسلام خاصة، وإن الإنسان ليعجب لهذه الفرية الكبرى فأنى للإسلام أن يتناقض مع العلم؟ أليس العلم قوانين أوجدها الله في كونه، والدين كلمة الله أنزلها على أنبيائه؟ فكيف يتناقض شيئآن مصدرهما الحكيم العليم، وكيف يمكن لإنسان عنده شيء من عقل ووعي أن يزعم أن الإسلام يتناقض مع العلم، وهو الذي يدعو إليه ويشجعه؟ ويقول فيما يقول للبشر: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ويدعوهم للانتفاع بكل شيء في الكون بقوله {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} .
والحق أن الدين الصحيح صديق حميم للعلم، وأن العلم الصحيح عدو مبين للإلحاد، ولكن الملحدين يحلو لهم دائما الكذب والبهتان، واللجاج في الباطل والطغيان.
وقد غزا الإلحاد فيما غزا بلاد الإسلام وقام في ربوعها ناعقون يرددون سفاهاته وينشرون ضلالاته، ثم برز في مؤخرة ركب الملحدين حمال أثقال اسمه (( صادق جلال العظم ) )الحائز على لقب (( دكتور ) )من الذين دسّوا الكفر في فكره، فجمع ترهات الملحدين في كتاب أسماه (نقد الفكر الديني) وحشاه بالأغاليط والأكاذيب والجهل، ومنته نفسه ورفاقه الملحدون الأماني من وراء مفترياتهم، وطغا عليهم غرورهم، فكان لابد من الرد عليه، ومع اعتقاد المؤلف المفضال أن الإلحاد لا سند له، وأنه أو هي من بيت العنكبوت، إلا أن خوفه من تأثر الناشئة المسلمين بتضليلات العظم وسواه دعاه للرد على العظم ردًا أتى فيه على قواعد الملحدين فنسفها بالعلم الصحيح والحجة القوية والاطلاع الواسع.
وقد وجد المؤلف في كتاب (نقد الفكر الديني) لصادق العظم أمثلة كثيرة للمغالطات وأنواع السقطات المقصود بها تضليل من يطالع كتابه من مراهقي الفتيان والفتيات من أجيال الأمة الإسلامية، خدمة للماركسية والداروينية والفرويدية وسائر النظريات بل الفرضيات اليهودية دون أن يطرح مناقشات علمية نقدية تتحرى الحقيقة، وقد جمع كل الأديان وكل ما فيها من حق وباطل، وكل ما نسب إليها من ضعيف وقوي وفاسد وصحيح، وقال: هذه هي الأديان، ثم وجه النقد اللاذع للباطل الظاهر وللضعيف البين وللفاسد المعروف فساده، ثم صنع من ذلك مقدمة فاسدة استنتج منها إبطال الدين كله..
وقد أحصى المؤلف جدليات الملاحدة المعتمدة على المغالطات الفاحشة الوقحة، والمقنعة بالحيلة والخداع في هذه العناصر:
1_ تعميم أمر خاص.
2_ تخصيص أمر عام.
3_ ضم زيادات وإضافات ليست في الأصل.
4_ حذف قيود وشروط لازمة، يؤدي حذفها إلى تغيير الحقيقة.
5_ التلاعب في معاني النصوص.
6_ طرح فكرة مختلفة من أساسها للتضليل بها.
7_ تصيد بعض الاجتهادات الضعيفة لبعض العلماء وجعلها هي الإسلام مع أنها اجتهادات مردودة.
8_ التقاط مفاهيم شاذة موجودة عند بعض الفرق التي تنتسب إلى الإسلام، وإطلاق أنها مفاهيم إسلامية مسلم بها عند المسلمين، والإسلام منها بريء براءة الحق من الباطل.
9_ نسبة أقوال أو نصوص إلى غير قائليها.
10_ كتمان أقوال صحيحة وعدم التعرض إليها مطلقًا مع العلم بها وشهرتها.
11_ الإيهام بأن العلوم المادية ملحدة على خلاف ما هي عليه في الواقع.
وقد أفرد المؤلف فصلًا من فصول الكتاب الأحد عشر للنقد الذاتي حول مفاهيم المسلمين للإسلام، بيّن فيه المفاهيم الدخيلة الغريبة عن الإسلام التي حاول أعداؤه إلصاقها بتعاليمه الناصعة، وكيف تحولت هذه المفاهيم الدخيلة إلى مواريث ثقيلة، وبدع شنيعة أحسنت ظهور الأجيال، وعرقلت سبيل تقدمها، وهيأت المناخ المناسب لفساد الأجيال التي حملت شعار التخلص منها على غير هدى ولا بصيرة، فتخلصت منها ومن الجوهر النافع الذي هو الأصل السليم، وقد وجدت طائفة من هذه الأجيال بسبب تلك الشوائب الدخيلة مبررات كثيرة تلبي عن طريقها الرغبة في الانطلاق والتحرر والانسياق وراء الأهواء، ومن وراء هذه الطائفة شياطين يمدون خراطيهم في الظلمات من ديار الحرب إلى دار الإسلام، فيوسوسون لها ويمنونها ويكيدون في ذلك لها وللأمة الإسلامية ما يكيدون من شر عظيم، ووسائلهم في ذلك الإغراء بالمال، أو الإطماع بالحكم والسلطان، أو الفتنة بالنساء أو الخمر والميسر والمخدرات وأصناف اللهو، وإضعاف القوى الفردية والاجتماعية عن طريقها والخداع بمظاهر الحضارة المادية الخلابة.
ويرجع انحراف المفاهيم الإسلامية في رأي المؤلف إلى عدة صور مصابة بالخلل أو الفساد أو التزوير، ويذكر لها عشرة أسباب مع طرق علاجها وهي:
1_ الجهل وفتور الهمة عن تفهم تعاليم الإسلام الصحيحة.
2_ اتباع الهوى.
3_ الغلو في الدين غير الحق.
4_ النظر الضيق المحدود الذي يلازمه النظر إلى جوانب خاصة معينة من الإسلام واعتبارها الإسلام كله.
5_ الجمود.
6_ التحلل.
7_ الفتنة بكل جديد قبل اختباره.
8_ التعصب لكل قديم مهما كان شأنه، ولو كان مخالفًا للحقيقة البينة ولأسس الإسلام الصحيحة الصافية.
9_ الأثرة التي تولد الإعجاب الشديد بالرأي، وتولد التعصب والفردية في الأعمال، وتشتت الشمل وتفرق الكلمة.
10_ ما يكيده أعداء الإسلام من مكايد، ويدخل تحت هذا السبب صور كثيرة.
وفي فصل آخر من فصول الكتاب يبرز المؤلف الحقائق البينة التي تؤكد موافقة العلم للدين الحق الإسلام، وأن الإسلام يدعو إلى الطرق العلمية في البحث، ويفند مغالطات الملاحدة الذين كثيرًا ما يدعون أن فرضية أو نظرية من النظريات قد أصبحت حقيقة علمية غير قابلة للنقض أو التعديل، مع أن هذه النظرية لا تملك أدلة إثبات يقينية تجعلها حقيقة نهائية، أو حقيقة مقطوعا بها، وذلك بشهادة العلماء الذين وضعوا هذه النظرية أو ساهموا في تدعيمها.