ومن أمثلة ذلك الدارونية بالنسبة إلى نشأة الكون وخلق الإنسان فهي لا تملك أدلة إثبات قاطعة أو شديدة الترجيح، ولكن كثيرًا من العلماء الماديين يقبلونها تسليمًا اعتقاديًا لا تسليمًا علميًا، إذ ليس لديهم اختيار بعدها إلا الإيمان بالخلق الرباني، وهذا أمر لا يجدون أنفسهم الآن مستعدين له ما دام منطق الإلحاد هو المسيطر على اعتقادهم في بيئتهم.
ويأتي أنصاف المتعلمين، كالعظم فيدعون وجود التناقض بين الدين والحقائق العلمية، استنادًا إلى وجود اختلاف بين بعض المعارف الدينية وبعض الفرضيات أو النظريات التي لم تثبت ولم ترق إلى درجة الحقائق العلمية وهم يزعمون كذبًا أو يتصورون خطأ أن هذه الفرضيات أو النظريات قد أصبحت حقائق علمية ثابتة بشكل قطعي غير قابل للنقض، وهنا يقعون في غلط علمي فاحش جدًا، ويتبع ذلك سقوطهم في ضلال اعتقادي كبير تجاه الدين وأصوله ومعارفه، علمًا بأن طائفة من النظريات التي نسبت إلى العلم قد وضعت خصيصًا لدعم قضية الإلحاد والكفر بالله على أيدي يهود أو أجراء لليهود، وصيغت لها المقدمات والمبررات التي ليس لها قواعد منطقية علمية صحيحة.
يقول المؤلف:"فالواجب إذن يحتم علينا _ أخذًا بطريق البحث العلمي السليم المحرر الذين أمرنا به الإسلام _ أن نمعن النظر فيما قدمته شهادة العقل ووسائل البحث العلمي الإنسانية، وفيما قدمته شهادة النصوص الدينية، وأن نخضع هذه الشهادات للضوابط العلمية الصحيحة المتفق عليها في أصول العقل وأصول الدين.. وإني لأجزم بكل يقين أننا لن نجد مسألة واحدة يستحكم فيها الخلاف بين شهادة النصوص الدينية اليقينية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وبين الشهادة القاطعة التي يقدمها العقل، أو الشهادة القاطعة التي يقدمها البحث العلمي الإنساني البحت، بل اليقيني من كل ذلك لابد أم يتطابق في شهادته متى استطاع أن يصل إلى الحقيقة التي هي موضوع البحث، فإن وصل بعضها وبعضها الآخر لم يصل أعلن كلّ عن مبلغه من العلم، قصر في المعرفة أو زاد وفي هذا لا يوجد تناقض أو خلاف، ولكن يوجد بيان جزئي، وبيان أشمل وأكمل، أو بيان جزئي من جهة وبيان جزئي من جهة أخرى".
وفي فصل (صراع من أجل قضية الإيمان بالله والفكر الديني الصحيح حولها) يقول:"إن الملحدين جميعًا لم يستطيعوا مجتمعين أو متفرقين أن يقدموا أية حجة منطقية أو واقعية مقبولة عند العقلاء تثبت عدم وجود خالق لهذا الكون، وقد قرأنا ما كتبه هذا الملحد وما كتبه غيره من أساطين الإلحاد فلم نجد لديهم دليلًا واحدًا صحيحًا ينفي وجود الخالق جل وعلا، بل لم نجد في كل ما كتبوه دليلًا واحدًا يقدم ظنًا بعدم وجود الخالق، فضلًا عن تقديم حقيقة علمية.. جلّ ما لديهم محاولات للتشكيك بعالم الغيب، والتزام بأن لا يثبتوا إلا ما شاهدوه من مادة بالوسائل العلمية المادية."
وهذا الارتباط بحدود المادة التي لم يشهد العلم حتى العصر الحاضر إلا القليل منها إن هو إلا موقف يشبه موقف الأعمى الذي ينكر وجود الألوان لأنه لا يراها، أو الأصم الذي ينكر وجود الأصوات لأنه لا يسمعها، أو موقف الحمقاء حبيسة القصر التي ترى أن الوجود كله هو هذا القصر الذي تعيش فيه، لأنها لم تشاهد في حياتها غيره.. فما حظ هؤلاء من العلم والأمانة العلمية ومطابقة الحقيقة والواقع؟ كذلك الملحدون لا حظ لهم من العلم والأمانة العلمية ومطابقة الحقيقة والواقع، إذ ينكرون الخالق جل وعلا ويصرون على إنكاره ولا يملكون دليلًا واحدًا على نفي وجوده، قد يستخدمون عبارات ضخمة يستغلون فيها أسماء التقدم العلمي والصناعي وتطور مفاهيم العصر، والبحوث العلمية في المختبرات والمعامل للتمويه بها.. مع أن التقدم العلمي والصناعي لم يتوصل إلى قياس شيء من عالم الغيب، بل ما يزال عاجزًا عن قياس أمور كثيرة داخلة في العالم المادي الذي هو مجال كل أنواع التقدم العلمي الذي انتهت إليه النهضة العلمية الحديثة.
والعلماء الماديون الذين يستخدمون المعامل والمختبرات والأجهزة العلمية المتقدمة جدًا.. يحاولون تفسير كل ما شاهدوه من ظواهر بنظريات استنتاجية يغررون فيها حقائق غير مرئية وغير مشاهدة، وهي بالنسبة إليهم وبالنسبة إلى أدواتهم ما زالت أمورًا غيبية، ومع ذلك فإنهم يضطرون إلى إقرارها والتسليم بها، ويجعلونها قوانين ثابتة يقولون عنها إنها قوانين طبيعية.
وفي هذا الفصل يتناول ما يردده العظم من الحجة الشيطانية القديمة التي تقول في آخر سلسلة التساؤل: ومن خلق الله؟ ويناقش حججه المادية ساردًا أقوال بعض علماء المادة مثل إدوارد كيسل الذي يقول:"أثبتت البحوث العلمية دون قصد أن لهذا الكون بداية، فأثبتت تلقائيًا وجود الأدلة، لأن كل شيء ذي بداية لا يمكن أن يبتدئ بذاته، ولا بد أن يحتاج إلى المحرك الأول، الخالق الإله".
ويعقد المؤلف فصلًا لمناقشة (برتر أندرسل) و (فرويد) وإمامي العظم، مبينا أن الأول صدر في إلحاده عن الهوى التعصب للدين لأنه يجعل ما يقبله من تفسيرات علمية مقبولًا بصفة ترجيحية لضرورة العجز عن الوصول إلى اليقين ... وأما الثاني فهو يهودي متعصب للصهيونية وقد وصفت إحدى مساعداته في التحليل النفسي إلحاده بأنه كان زائفًا لأنه تركه بعد ذلك متشبثًا باليهودية الصهيونية، وفيا لها، سائرًا في طريقها، منفذًا لخططها.
ويطول الكلام لو وقفنا عند فصل من فصول الكتاب واقتباس بعض عباراته، والإشارة إلى القضايا الفكرية التي يعالجها ببيان مشرق وأسلوب يمتاز بالقوة والرصانة وعمق الفكرة، وأدع للقارئ أن يستمتع بقراءة هذا الكتاب النفيس سائلا الله عز وجل أن يهدي به الضالين، ويثبت المؤمنين ويزيدهم إيمانًا وأن يجزي المؤلف فضيلة الشيخ عبد الرحمن حنبكة أحسن الجزاء.
خرج علينا قبل أيام عبر قناة الجزيرة: الماركسي القديم ( صادق العظم ) خلال محاورة فكرية ، وكنت أظن أن مثل هذه المخلوقات قد انقرضت بعد سقوط أمها وحاضنتها روسيا الشيوعية ؛ ولكن يظهر أن بعض بني قومنا ماركسيون أكثر من ماركس نفسه ! وقد أحببت أن أعرف القراء بحقيقة هذا الرجل الذي ربما يجهل البعض تاريخه ... فأقول - مستعينًا بالله -:
-هو صادق جلال العظم، ملحد سوري (من أصل تركي) يدين بالفكر الشيوعي البائد. ولد في دمشق سنة 1934م. - والده جلال العظم كان أحد العلمانيين المعجبين بتجربة كمال أتاتورك في تركيا (انظر ص 14-15 من كتاب"حوار بلا ضفاف"، الذي أجراه صقر أبو فخر مع العظم ) . وزوجته هي فوز طوقان (عمها الشاعر إبراهيم طوقان وعمتها الشاعرة فدوى طوقان) .
-يعترف العظم بأنه نشأ في جو علماني متحرر لا يعرف أحكام دينه ولا ينفذها. يقول (ص 15 من المرجع السابق) : (كان هناك -أي في بيته- تدين عادي ومتسامحٍ وغير متمسك بالشعائر والطقوس) !! ويقول أيضًا (ص22) : (لم يكن أحد حولي يصلي أو يصوم) ! - سأله صقر أبو فخر (ص 63) : (هل ترى في السلفية الجديدة خصمًا حقيقيًا؟) فأجاب: (نعم، هي خصمٌ جدي) !
-درس الفلسفة، وكانت رسالته عن الفيلسوف (كانط) ، عمل في الجامعة الأمريكية ببيروت، ثم أستاذًا بجامعة عمَّان سنة 1968م، ثم باحثًا في مركز الأبحاث الفلسطيني، ثم عاد إلى دمشق وتولى رئاسة قسم الفلسفة، بجامعة دمشق.
-اعتنق العظم الفكر الشيوعي (وجهر) بإلحاده في كتابه الشهير"نقد الفكر الديني"المطبوع عام 1969م، الذي خلاصته الزعم بأن الدين (لاسيما الإسلام!) يناقض العلم الحديث! كما هي دندنة الشيوعيين سابقًا قبل أن ينكشف زيفهم وتنتكس شعاراتهم وأفكارهم.
وإليك شيئًا من أقواله في هذا الكتاب:
- (إن كلامي عن الله وإبليس والجن والملائكة والملأ الأعلى لا يُلزمني على الإطلاق بالقول بأن هذه الأسماء تشير إلى مسميات حقيقية موجودة ولكنها غير مرئية) ! (ص59من الطبعة الثامنة) .
- (أصبح الإسلام الأيدلوجية الرسمية للقوى الرجعية المتخلفة في الوطن العربي وخارجه: السعودية، أندنوسيا، الباكستان) (ص 16-17) .
- (إن الدين بديل خيالي عن العلم) (ص17) .
- (يعترف رجال الدين الإسلامي! وكتابه بوجود تناقض ظاهري -على أقل تعديل- بين العلم الحديث وثقافته ومناهجه من ناحية، والدين الإسلامي) (ص23) ولا ندري من هؤلاء المعترفون؟!
-يطعن العظم في القرآن (صراحة) بقوله (ص25) : (يشدد القائلون بالتوافق التام بين الإسلام والعلم أن الإسلام دين خالٍ من الأساطير والخرافات باعتبار أنه والعلم واحد في النهاية، لنمحص هذا الادعاء التوفيقي بشيء من الدقة! بإحالته إلى مسألة محددة تمامًا. جاء في القرآن مثلًا أن الله خلق آدم من طين ثم أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس، مما دعا الله إلى طرده من الجنة. هل تشكل هذه القصة أسطورة أم لا ؟ نريد جوابًا محددًا وحاسمًا من الموفقين وليس خطابة. هل يفترض في المسلم أن يعتقد في النصف الثاني من القرن العشرين بأن مثل هذه الحادثة وقعت فعلًا في تاريخ الكون؟ إن كانت هذه القصة القرآنية صادقة صدقًا تامًا وتنطبق على واقع الكون وتاريخه لابد من القول أنها تتناقض تناقضًا صريحًا ! مع كل معارفنا العلمية..) !! الخ هرائه. ولا ندري ما هي هذه المعارف العلمية التي تناقض كلام الله؟! إلا إذا كانت معارفه المادية التي لا تؤمن بالغيب.
-يقول الشيخ عبد الرحمن الميداني في كتابه"صراع مع الملاحدة حتى العظم" (ص12-13) بأن العظم ألف كتابه السابق: (خدمة للماركسية والداروينية والفرويدية، وسائر النظريات بل الفرضيات اليهودية الإلحادية. وهو في كل ذلك يتستر بعبارات التقدم العلمي والصناعي والمناهج العلمية الحديثة، ولا يقدم من البينات إلا قوله مثلًا: إن العلم يرفض هذا، أو لا يُسلم بهذا، أو يثبت هذا، دون أن يطرح مناقشات علمية نقدية تتحرى الحقيقة) .
-ويقول العظم عن عقيدته الشيوعية (ص 29) : (إنها أهم نظرية شاملة صدرت في العلوم) !
-ومما يثير العجب: أن العظم -رغم إلحاده- عقد فصلًا في كتابه السابق"نقد الفكر الديني"يدافع فيه عن (إبليس) !! سماه (مأساة إبليس) (ص55 وما بعدها) ردد فيه شبهات إبليس التي نقلتها بعض الكتب السابقة في اعتراضه على القدر؛ ككتاب"الملل والنحل"للشهرستاني (7-10) . ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الفتاوى (8/115) : (هذه المناظرة بين إبليس والملائكة التي ذكرها الشهرستاني في أول المقالات ونقلها عن بعض أهل الكتاب ليس لها إسناد يعتمد عليه) .
وقال -رحمه الله- معددًا طوائف القدرية (القسم الثالث: القدرية الإبليسية الذين صدقوا بأن الله صدر عنه الأمران [أي أنه قدَّر وأمر ونهى] ، لكن عندهم هذا تناقض.. وهؤلاء كثير في أهل الأقوال والأفعال من سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة) (الفتاوى 8 /260) .
ثم ختم العظم كلامه بقوله عن إبليس (ص85) : (يجب أن نرد له اعتباره بصفته ملاكًا يقوم بخدمة ربه بكل تفان وإخلاص!... يجب أن نكف عن كيل السباب والشتائم له، وأن نعفو عنه ونطلب له الصفح ونوصي الناس به خيرًا) !! فتأمل هذا (الكفر) ما أعظمه ؟
قد يقول قائل: كيف يكون العظم ملحدًا ثم يعترف بوجود إبليس ؟! فأقول: قد صرح الملحد في بداية كلامه -كما سبق- أنه لا يعترف بوجود إبليس لأنه لا يعتقد أصلًا بوجود خالقه ولكن بحثه -كما يدعي- (ص57) : (يدور في إطار معين لا يجوز الابتعاد عنه على الإطلاق؛ ألا وهو إطار التفكير الميثولوجي الديني الناتج عن خيال الإنسان الأسطوري وملكاته الخرافية) فهو يريد دراسة شخصية إبليس (باعتبارها شخصية ميثولوجية أبدعتها ملكة الإنسان الخرافية، وطورها وضخمها خياله الخصب) (ص 57) .
ومع هذا: فقد قال الشيخ محمد حسن آل ياسين في كتابه"هوامش على كتاب نقد الفكر الديني" (ص61) بأن بحث العظم عن إبليس: (لم يكن من بنات أفكاره، ولا من وحي ثقافته العلمية، وإنما استقى خطوطه الأساسية من بحث المستشرق"ترتون"عن الشيطان، وبحث المستشرق"فنسنك"عن إبليس المنشورين في الانسكلوبيديا الإسلامية) . قلت: انظر البحثين في دائرة المعارف الإسلامية (14/46-57) .