فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 894

وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا: وجاء في هذه العبارة تقديم المعمول {عَلَيْكُمْ} وعلى عامله {شَهِيدًا} على خلاف أصل الترتيب، لوجود داعي بلاغيّ لهذا التقديم، وهو أنّ بلاغَ الرسُولِ صلى الله عليه وسلم بلاغٌ مخصوص بالْقَرنِ الأَوَّل الَّذِينَ بلَّغَهُمْ مُشَافهة من أُمَّتِه، أمَّا الَّذِين جاءوا من بعدهم فقد بلَّغهم المبلِّغُون من أهل القرن الأول، وهكذا تسلْسُلًا قَرْنًا بعْدَ قرن.

فقد تنبّه إلى الفرق بين العبارتين في هذه الآية وإلى الداعي البلاغي الذي ذكرتُه"الزمخشريُّ"في كشّافه، وقد أحسن.

(6) قول الله عزّ وجلّ في سورة (مريم/ 19 مصحف/ 44 نزول) في بيان ما خاطب به المبشر من الملائكة زكريّا عليه السلام بغلام اسمه يحيى، بعد إن أظهر له تعجُّبه من أن يأتيه غلام في حالة كون امرأته عاقرًا وكونه قد بلغ من الكبر عتِيًّا:

{قَالَ كَذالِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) } .

هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ: في هذه الجملة تقديم المعمول {عَلَيَّ} على عامله {هَيِّنٌ} لإفادة أنَّ ما يراه أمْرًا صعبًا في مقاييس القدرات البشرية، هو بالنسبة إلى الله على وجه الخصوص هيِّنٌ، فاقتضى حال زكريَّا عليه السلام وتعَجُّبه وتساؤله أن يُنَبَّهَ على أنَّ ما تعجَّبَ منه هو ممّا اختصَّ الله بِأنَّه هَيِّنٌ عليه.

ملاحظة:

إذا كان العامل منفيًّا وقدّم عليه المعمول كانت دلالة التقديم على التخصيص والحصر أمرًا لازمًا، فلا يَجُوز أنْ تُتْبَعَ الْكَلاَمُ بما يَنْقُضُ هذا الحصر، فلا يُقالُ نحو:"ما زَيْدًا ضَرَبْتُ ولاَ غَيْرَه"لأنّ عبارة"ما زيدًا ضربتُ"تدلُّ على تخصيص زيد بعدم ضربه، لكنَّها تُفيدُ أَنَّه قَدْ ضَرَبَ غيره، فتأتي عبارة"وَلاَ غَيْرَه"ناقضةً للدّلالة التي أفادها التخصيص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت