فإذا كان لدى البليغ معنىً يريد الدلالة عليه ولو على سبيل الإِشارة، وهذا المعنى يمكن استفادته من تقديم عنصر من عناصر جملته على عنصر آخر من عناصرها فَعَل ذلك، ما لم يكن ممتنعًا في قواعد اللّغة العربيّة وضوابطها، حتّى العناصر المتكافئة في المرتبة كالنعوت فيما بينها، وكالمعطوفات المتعدّدات التي تعطف بالواو التي هي لمطلق الجمع، ولا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وكألفاظ التوكيد المعنوي، فإنّه يهتمُّ بأن يقدّم ويؤخِّر بُرؤىً بلاغية أدبية وفكريَّة متى انقدحت لديه فكرة مناسبة، يمكن الدلال عليها بأسلوب التقديم والتأخير.
وفي مجال ترتيب عناصر الْجُمَل في الكلام تظهر براعة كبار البلغاء والأدباء، وتتفاوت مراتبهم، وفوق كلّ القمم ترتقي جوانب الإِعجاز القرآني في رصف عناصر الجملة، وترتيبها، ورصف عناصر الجمل وترتيبها، كما ترتقي في كلّ مجال فكريّ وبلاغي.
ومع احتمال أن تتوارد هنا دواعي كثيرة من الدواعي التي سبق بيانها في دواعي تقديم المسند إليه، ودواعي تقديم المسند، ودواعي تقديم متعلقات الفعل، وأن يُقاس على أمثلتها، فيحسن أن نورد هنا بعض الدواعي، مع بعض الأمثلة.
وعلى دارس النصّ البليغ أن يبحث ليكتشف ما دَعا منشىء الكلام إلى أن يقدّم وأن يؤخّر. ولا سيما حينما يأتي الترتيب على خلاف الأصل، أمّا إذا جاء الترتيب على وفق الأصل فيحسنُ أن لا يتعب نفسه بالبحث عن العلة، إلاَّ أن يكتشف عَرَضًا داعيًا مناسبًا، فعندئذٍ يمكن أن يجعله عاملًا مرجّحًا لإِبقاء الشيء على أصله.
فمن الدواعي هنا ما يلي:
الداعي الأول: أن يكون ذكر المقدّم أهمّ في نظر منشىء الكلام لغاةٍ ما يَرْمي إليها.