قال الزمخشري في الكشاف:"وللْجَهْلِ بمواقع (إنْ) و (إذا) يَزِيع كثير من الخاصَّة عن الصواب فيَغْلَطُونَ، ألاَّ ترى إلى (عبدالرحمن بن حسَّان) كيف أخطأ بهما الموقع في قوله يخاطِبُ بعض الولاة وقد سأله حاجَةً فلم يقضها، ثُمَّ شُفِعَ لَهُ فيها فقضاها:"
*أَبَى لَكَ كَسْبَ الْحَمْدِ رَأَيٌ مُقَصِّرٌ * ونَفْسٌ أَضَاقَ اللهُ بالْخَيْرِ بَاعَهَا*
*إذا هِيَ حَثَّتْهُ عَلَى الخير مَرَّةً * عَصَاهَا وإنْ هَمَّتْ بِشَرٍّ أَطَاعَها*
ولو عكس في استعمال الأداتين لأصابَ الغرض"."
أي: لو قال: فإن هي حثته... وإذا همت بشرٍّ...
* وذكر البلاغيّون أنّ كُلاًّ من حَرْفِي"إنْ"و"إذا"الشرطيَّيْن قد يستعمل في موضع الآخر لأغراض بلاغيّة، منها:
(1) تجاهل العارف، كأن يقول المتعذر عن أمْرٍ لا يليق به:"إنْ كنتُ فَعَلْتُ هذا الأَمْرَ فأرجو العفو والمسامحة"وهو يعلم من نفسه أنّه فعله، وكأن يقول المغاضب لصاحبه:"إنْ طرقْتُ بابَكَ بَعْدَ اليْوم فلا تَفْتَحْ لي"وهو يعلم من نفسه أنّه لا يصْبر على هجره. وكأنْ يقول مُدَّعِي ما ليْسَ له:"إِذَا كَانَ هذا حَقِّي فَلا بُدَّ أنْ أصل إليه"وهو يعمل أنّه لا حقّ له به.
(2) تنزيل المخاطب منزلة مُنْكر الحقيقة، كأن يقول الأب لابنه الخارج عن واجب البرِّ:"إنْ كنْتَ ابْنِي حَقًَّا فَلا تَعْصِنِي".
(3) تنزيلُ الشَّاكّ منزلةَ غير الشاكّ، للإِشعار بأنّ وضوح الأدلة يقتضي عدم وجود الشّك أَصْلًا، كأن يقول المؤمن الذي يناظِرُ غير المؤمن حول قضايا الإِيمان الكبرى:"إِذَا كنْتَ تُسَلّم بالبراهين العقلية الدَّامِغضة فلا بُدَّ أن تُؤْمِنَ باللهِ واليوم الآخر وَالقرآن وخاتم المرسلين محمد بن عبدالله وما جاء به عن ربّه".