فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 894

وبسط الكلام يكونُ كما يلي: مَا كان الله ليذر المؤمنين على ما هم عليه من الدَّعَة والأمن والرَّخاء، وأنتم من المؤمنين، فما كان الله ليَذَرِكُمْ على ما أنْتُم عليه، حتَّى يميز بالامتحان الشديد على النفوس الخبيثَ من الطَّيب في الأعمال والأقوال والنيّات وحركات النفوس الإِرادِية.

ومن فوائد الالتفات من الخطاب إلى الغيبة الإِشعارُ بالعتاب أو الإِعراض عمَّنْ يليقُ به أن يُكرَّمَ بالخطاب بحسب مقتضى الظاهر، ولكن جاء الكلام على خلاف ذلك لأنّه أعرض أو تولَّى في مقامٍ كان ينبغي له في أَنْ لا يُعْرِض ِأو أن لا يتولّى، ومن أمثلته على رأي السّكّاكيّ - وهو رأيٌ حَسَنٌ - المثالُ الذي سبق الاستشهاد به لما ذهب إليه، وهو قول الله عزّ وجلّ في سورة (عبس/ 80 مصحف/ 24 نزول) :

{ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَآءَهُ الأَعْمَى (2) } .

إذِ الْتَفَتَ عنه ابتداءً، فتحدَّثَ عنْهُ بأسْلُوبِ الحديثِ عن الغائب، مع أنّ مُقْتَضَى الظاهر بحسب منزلته أنْ يُكلِّمَهُ بأسلوب الخطاب، لكِنْ لم يُطِلِ الالتفاتَ عنه بل أسْرَعَ إلى الالتفات إليه، فخاطبه بقوله معاتبًا:

{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) } .

فوئد الالتفات:

ممّا سبق استطعنا أن تكتشف مِنْ فوائد الالتفات ما يلي:

الفائدة الأولى: فنيِّيّةُ التَّنْوِيعِ في العبارة، المثيرِ لانتباه المتلَقِّي، والباعثِ لنشاطه في استقبالِ ما يوجَّه له من كلام، والإِصغاءِ إليه، والتفكير فيه.

الفائدة الثانية: الاقتصادُ والإِيجازُ في التعبير.

الفائدة الثالثة: الإِعراض عن المخاطبين، لأنهم عن البيانات معرضون أو مُدْبرون وغير مكترثين.

الفائدة الرابعة: إفادة معنىً تتضمَّنُه العبار الّتي حصل الالتفات إليها، وهذا المعنى لا يستفادُ إذا جرَى القول وفق مقتضى الظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت