وعَقِبَ ذلك وجّه الخطاب للمفترين فقالَ الله لهم:
{لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} .
وفائدةُ هذا الالتفات تحقيق غرضَيْنِ:
الأول: تَثْبِيتُ المؤمنين على عقيدة تنزيه الله عمّا لا يليق به سبحانه.
الثاني: تَأْنِيبُ المفترين على الله بأنَّهم ارتكبوا أمرًا بالغ النكارة والفظاعة والشناعة.
مع الاقتصاد والإِنجاز في العبارة.
تطبيقات تحليليّة لأمثلة قرآنية
المثال الأول: قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (يس/ 36 مصحف/ 41 نزول) ضمْنَ عَرْضِ قصّة أصحاب القرية الّتي جاءها المرسلون فكذّبوهم:
{ وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُّهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) } .
دلَّت عبارة {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} على أَنَّ قَوْمَه تَوَجَّهُوا له يحاكمونه على انتصاره للرُّسُل، فأخذوا يسألونه ويُجيبُهُم بحكمة وعقْلٍ وسداد، وباستطاعتنا أن نتخيّل مجلس المحاكمة:
قالوا: هل صدّقت هؤلاء الذين يزعمون أنَّهم مُرْسلون؟ وهَلْ آمنتَ بهم؟
قال: نعم.
قالوا: وَهل تركتّ ما يعبُد قومُك من آلهة؟
قال: نعم.
قالوا: وَهل صِرْتَ تَعبُد الإِلَه الّذِي يدعو هؤلاء إلى عبادته وحده لا شريك له؟.
قال: نعم، إنّه هو الذي فطرني، ومَالِيَ لاَ أعْبُد الذي فَطَرني وَإليه تُرْجَعُون؟!.
فالتفت من الحديث عن نفسه، إذْ كانت متابعة الأسلوب تستدعي أن يقول:"وإليه أرجع"أي: للحساب والجزاء، فخاطبهم فقال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .