ونَلْمَحُ في هذا الالتفات البديع أنّه بدأ كلامه أوّلًا بأسلوب اتخاذ طريق الخير لنفسه، وهو يريد ضِمْنًا مناصحة قومه تلطُّفًا بهم، وليُشْعرهم بأنّه يريد لهم ما يريد لنفسه، وبعد ذلك التفت إليهم إذْ أراد تخويفهم من عذاب الله، ودعوتهم إلى الإِيمان واتّباع المرسلين.
ولدى تحليل النصّ بوجه عام نلاحظ أنّ الرَّجُل المؤمن يريد أن يقدّم لهم الدليل الذي اقتنع هو به، وأنّ عليهم لمصلحة أنفسهم أن يتصّبروا بهذا الدّليل ليُوَلّد لديهم الاقتناع بما اقتنع هو به، فقال لهم: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} وطوى ضمن كلامه: وإليه أرجع ليحاسبني ويجازيني، وأنتم كذلك مثلي، فلم لا تَعْبُدونَ الذي فطركم؟! واكتفى عن ذكر هذا المطوي بعبارة: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
فدلّت عبارة: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} من شطر الكلام الأول على عبارة:"ومَالكم لا تبعدون الذي فطركم"من شطر الكلام الثاني.
ودلّت عبارة: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} من شطر الكلام الثاني على عبارة:"وإليه أرجع"من شطر الكلام الأول.
وبهذا الحذف الإِيجازي ظهر التعبير على صورة الالتفات من أسلوب حديث المتكلّم عن نفسه مريدًا به المخاطبين، إلى أسلوب الخطاب، ومثل هذا الالتفات البديع يشدّ الانتباه إلى التأمُّل وحُسْنِ التدبُّر.
المثال الثاني:
قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول) خطابًا للرسول صلى الله عليه وسلم فكُلّ داعِ إلى سبيل ربّه وآمرٍ بالمعروف وناهٍ عن المنكر من بَعْده:
{قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي? إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) } .