والفائدة الخاصة في هذا الإِلتفات التنبيه على أنَّ كلّ أمرٍ حكيم يُفْرق بأمْر الله هو رحمةٌ من أَثَر صفةِ رُبوبيَّةِ الرَّبّ عزَّ وجلَّ.
المثال السادس:
قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الروم/ 30 مصحف/ 84 نزول) :
{وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (30) } .
إنّ أسلوب عبارة {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} هو من المواجهة بالخطاب، ويلائمه بحسب الظاهر أن يقال: {فَأنْتُمُ المضعفون} .
إلاَّ أنَّ الكَلاِمَ جَاءَ على خلال مُقْتَضَى الظَّاهِرِ هَذَا، إذْ حصل الالتفاتُ من الخطاب إلى الغيبة، فقال تعالى: {فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} .
والغرض البلاغيّ الخاصّ في النَّصّ التنبيه باسم الإِشارة الذي هو في قُوّةِ ضَمِيرِ الغائب على ارتفاع منزلتهم عند الله، إذْ أُشِيرَ إليهم باسم الإِشارة الخاصّ بالمشار إليه البعيد.
والأمثلة على الالتفات في النصوص القرآنية كثيرةٌ جدًّا، وفيما سبق استعراضُهُ وتحليلهُ منها كفايةٌ لمن شاء أَن يتدبّر ويحلّل سائر النّصوص، إذا كانت لَدَيْهِ ملكة التدبُّر والتحليل.
(2) النوع الثاني أسْلوبُ الحكيم
أسلوبُ الحكيم: هو عند علماء البلاغة صَرْفُ كلامِ المتكلّم أو سؤال السائل عن المراد منه، وحَمْلُه على ما هو الأَوْلَى بالْقَصْد، أو إجابته على ما هو الأولى بالقصد، وسمّاه الشيخ"عبدالقادر الجرجاني":"المغالطة".
وهو قسمان:
القسمُ الأول: حَمْلُ كلام المتكلّم على غير ما يُريد به، تنبيهًا على أنَّه الأولى بالْقَصْد، ومنه ما يلي:
* قول ابن حجّاج البغدادي"هو أبو عبدالله بن أحمد البغدادي"شاعرَ فَكِهٌ:
*قَالَ: ثَقَّلْتُ إِذْ أتَيْتُ مِرَارًا * قُلْتُ ثَقَّلْتَ كَاهِلي بالأَيَادِي*