فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 894

هذا أيضًا كلامٌ مُؤَكَّدٌ ومُسَاوٍ للمعنى المقصود بيانه، لا إطناب فيه ولا إيجاز.

وحين اعترض موسى عليه السلام الاعتراض الثاني على الخضر بشأن قتله الغلام، قال له الخضر:

{أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} .

فَأَطْنَبَ إذْ أضاف عبارةَ {لَكَ} مع أنَّ هذه الزّيادة لا لزوم لها في الكلام المساوي، فعبارة {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} بأسلوب الخطاب تَدُلُّ على أنّ الخطاب قَدْ وَجَّهَهُ الخضِرُ، فما الداعي لأنْ يقول لَهُ: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ} ؟

أقول: إنّ الداعي البلاغي لهذا الإطناب هو أنَّ مُوسَى عليه السلام تصرَّفَ تَصَرُّف من لم يُدْرِكْ أنّ الْخِطَابَ قَدْ كان مُوَجّهًا له فيما سبق، فاعترض، فاقتضى حالُهُ أَنْ يقولَ لَهُ الخضر: إِنّي كُنْتُ وجَّهْتُ الخطابَ لَكَ بأَنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا.

وحين اعترض موسى عليه السلام الاعتراض الثالث على الخضر بشأن إقَامَتِهِ الجدار المائل في قريَةٍ أَبَى أهْلُها أنْ يُضَيِّفوهُما، قال له الخضر:

{هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} .

فأوجز في كلامِهِ، إذْ طوى من اللّفظ عبارة: لأنَّكَ لم تَسْتَطعْ معِيَ صبرًا، وقد انتهت مُدَّة الاتفاق على مصاحبتي.

وبعد أن أبان الخضر لموسى عليهما السلام التأويل الحكيم للأحداثِ التي أجراها بأمْرِ الله أو إذْنه قال له:

{ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} .

فَأَوْجَزَ في بيانه حتى في كلمة"تَسْتَطعْ"إذْ قال:"تَسْطعْ"بحذف التاء التي بعد السين.

إنّ مقتضى الحال بعد انتهاء أجل المصاحبة، إذْ لم يلتزم موسَى عليه السلام بشروطها، أنْ يكون الكلامُ مُوجزًا جدًّا، إذْ لا داعِيَ للإِطناب ولا للمساواة، ومِثْلُ موسى عليه السلام يكفيه من الكلام عبارة:"هَذا فِرَاقُ بيني وَبَيْنِكَ"فهو الخبير بإخلاله بشروط المصاحبة المتَّفق عليها.

مجالات استعمال الأقسام السّوية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت