فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 894

أقول: لقد استغنى بدَلاَلَةِ الشطر المقابل، إذْ قَيَّدَ القتل الّذِى يُعْذَرُ به القتيل بأن يكون عند الوغى، أي: عند الحرب، وهذه قرينةٌ كافية لمثل هذا الحذف، قتَقَابُلُ التضاد ذو دلالة قويّة، وقرينتُه تدلُّ على المحذوف في مقابله بسهولة، وله نظائر في القرآن المجيد.

وذكروا من أمثلة الإِيجاز المخلّ قولَ الشاعر:

*أَعَاذِلُ عَاجِلُ مَا أشْتَهِي * أحَبُّ مِنَ الأَكْثَرِ الرَّائِش*

الرَّائش: بمعنى المعين، والمنعش، والمغني بالمال الوفير.

يريد أن يقول: إنّ عاجل ما يشتهي مع قلّتِه أحبّ إلى نفسه من المؤجل وإنْ كان كثيرًا منعشًا مغنيًا.

فحذف محاذيف لا تُسْتَخرج إلاَّ بصعوبة، فهو من الإِيجاز المخلّ على ما ذكروا.

تقسيم الإِيجاز

الإِيجاز السّويّ ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول:"إِيجَازُ الْقِصَر"وهو الإِيجاز الذي لاَ يُعْتَمَدُ فيه على استخدام الحذفِ.

القسم الثاني:"إيجازُ الْحَذْف"وهو الإِيجاز الذي يكون قِصَرُ الكلام فيه بسبب استخدام حذف بعض الكلام اكتفاءً بدلالة القرائِن على ما حُذف.

شرح إيجاز الْقِصَر

سبق بيان أنّ"إيجازَ القِصَر"هُو الإِيجاز الذي لا يُعْتَمَدُ فيه على استخدام الحذف.

ولكن كيف يكون"إيجاز القِصَرِ"هذا؟.

لقد جاء في وصف خاتم المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ أُوتِيَ جَوَامعَ الكَلِم، ونجد في أقواله أمثلةً كثيرةً جدًّا ينطبق عليها عنوان"إيجاز الْقِصَر"ألفاظُها قليلة، ومعانيها غزيرة، دون أن يكون فيها ما يدُلُّ على كلام مطويّ محذوف من اللّفظ، مُشارٍ إليه بقرينة من قرائن المقال، أو قرائن الحال، أو الاقتضاء العقلي.

وفي القرآن أمثلة رائعة وكثيرة جدًّا، يَرَى فيها متدبّر وكتاب الله المجيد قِصَرًا في ألفاظها، وثَرْوَةً واسعةً في معانيها ودَلالتها، مع أنَّها لا تطوي في مثانيها محاذيف، بل جاءت ثَرْوَةُ المعاني من منطوق الألفاظ المختارة بعناية فائقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت