قالوا: ومن أمثلة التعبير بكلام قصير فيه إخلال بأداء المعنى المراد قول"الحارث بن حِلِّزَةَ الْيَشْكُرِي"هو شاعر جاهليّ من أهل بادية العراق، وهو أحد أصحاب المعلّقات:
*عِشْ بِجَدٍّ لاَ يَضِرْكَ النَّوْكُ مَا أُولِيتَ جَدّا*
*والْعَيْشُ خَيْرٌ فِي ظِلاَلِ النَّوْكِ مِمَّنْ عَاشَ كدّا*
بِجَدٍّ: أي: بحظٍّ من الدنيا، كالنعمة والسّعة.
لاَ يَضِرْكَ: أي: لا يُنْزِلْ بكَ ضَرَرًا، من"ضارَهُ يَضِيرُهُ".
النَّوْكُ: الحماقة من قلة العقل.
قال في البيت الأول: إِذَا كان لك حظٌّ من الدّنيا يُسْعِدُك وكُنْتَ أحْمَق فَعِشْ بحظِّكَ فإنّ حماقَتَك لا تَضِيرُكَ.
وقال في البيت الثاني: والعيشُ مع الحظّ السعيد في ظلال النَّوْك (=الحمق) خَيْرٌ ممَّن عَاشَ عَيْشًا كدًّا مُضْنِيًا بعَقْلٍ ورُشْدٍ دُونَ أن يكون محظوظًا بما يُسْعِده في دُنْيا.
لكنّ هذا المعنى الذي أراده لا تدلُّ عليه عبارات البيت الثاني مَهْما تكلّفْنَا في استخراج اللّوازم الذهنيّة، لكثرة المحاذيف فيه، مع عدم وجود قرائن تدلُّ عليها، ولولا البيت الأوَّل لصَعُبَ جدًّا إدْراكُ مُرَادِه، فهُو من الإِيجاز المخلّ.
ولدى إبراز المحاذيف نقول: والعيْشُ بِجَدٍّ في ظلال النَّوْكِ خيرٌ ممن عاش عيشًا كدًّا غير محظوظٍ في ظلال العقل والرُّشد.
ومن أمثلة الإِيجاز المخلّ على ما قالوا قولُ"عُرْوةَ بْنَ الْوَرْدِ بن زيْدٍ العَبْسِي"هو شاعر جاهليّ، كان من فرسان قومه وأجوادهم:
*عَجِبْتُ لَهُمْ إِذْ يَقْتُلُونَ نُفُوسَهُمْ * وَمَقْتَلُهُمْ عِنْدَ الْوَغَى كَانَ أَعْذَرا*
قالُوا: أراد إذ يقتلونَ نُفُوسَهُمْ في السِّلْم من غَيْرِ حرب، فحذَفَ عبارة:"في السِّلْم"وهذا من الإِيجاز المخلّ.