فهرس الكتاب

الصفحة 576 من 894

كأن نقول: فلانٌ عَيْنُه فارغةٌ، كنايةً عن كونه يحبُّ أنْ يشاهد كلّ شيء، ويَنْظُر إلى كلّ شَيْءٍ، فهذه الكناية يُتَوصَّل إلى المراد بها عن طريق لازم واحدٍ، فهي قريبة، إذْ يلزم من فراغ العين التي هي أداة النظر رغبة صاحبها بِمَلْئِهَا، وملْءُ العين إنّما يكون بالنظر إلى الأشياء التي تَسْتَحسنها.

لكنّ استعمال فراغ العين للكناية عن هذا المعنى غير متداول، فهي مع قربها في هذا المثال كناية خفيّة.

وأما الكناية البعيدة: فهي الكناية الّتي كثرت لوازمها الذهنية، أو كانت فيها العلاقة أو الملابسة بَيْن المكنَّى به والمكنَّى عنه تتدخلُ فيه وسائط متعدّدة.

وهذه الكناية تكُونٌ في العادة وفي كثير من الأمثلة خفيَّةً تحتاج إلى تأمُّلٍ وتفكير، لكثرة لوازمها الذهنيّة، أو لكثرة الوسائط الذهنيّة التي تُوصِل المكنَّى به إلى المكنَّى عنه، ممّا يجعل الانتقال إلى ما هو المقصود بالدلالة ممّا يختصُّ الأذكياءُ بسرعة إدْراكه، أمّا غَيْرُهُمْ فيُجْهدونَ أذهانهم للوصول إلى إدْراكه وفهمه.

كأن نقول: في يومِ كذا من أيّام الحرب فرح أهل المزارع الواقعة في أسفل المدينة، بما تدفق عليهم من سمادٍ بشري، كنايةً عن أنَّ أهل المدينة أصابهم رعْبٌ شديدٌ في ذلك اليوم، ألجأهم إلى استطلاق بطونهم، وقذف ما فيها داخل المراحيض التي صبّت على المجاري، وتدافعت حتّى وصلت إلى المزارع.

هذه كناية ذات لوازم بعيدة، وهي خفيّةٌ، لأنَّها غير متداولة، ويَحتاجُ إدارك المقصود بها إلى تأمّل.

وقد تكون مع كثرة لوازمها أو كثرة الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه واضحة غير خفيّة، لتداولها، أو لوضوح الوسائط.

فإذا ذكر المادح العربيّ ممدوحه عن عرب البادية سكان الخيام بين قبائل عَرَب البادية، بأنّه كثير الرّماد، أدرك الجميع بسرعةٍ ودون خفاء أنّه جواد كريم مضياف، مع أنّ اللّوازم الذهنيّة بين المكنَّى به والمكنَّى عنه كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت