فهرس الكتاب

الصفحة 581 من 894

ويريد أن يتحدّث عن شديد الْبُخْل الّذي لا يستطيع أن يمدّ يَدَهُ بعطاء، فيكنّي بعبارة:"مَغْلُول الْيَدِ إلى العُنق"لأنّ من كانت يده مغلولة إلى عنقه كان غير قادر على أن يبسطها لو أراد بسطها ويعطي بها أو يأْخُذ، وكذلك الشحيح الذي يكون بُخْلُهُ شدِيدًا، تكون حالة يدِهِ الّتي يعطي بها عادة مع شُحّ نفسه، كحالة مَنْ غُلَّتْ يَدُهُ إلى عُنُقِه.

هذا التعبير اشتمل على مَزْج الكناية بتشبيه ضِمْنِيّ، وتقديم ذلك بعبارة جميلة بديعة تدلُّ على المقصود بطريقة غير مباشرة.

وفي مقابل هذه الكناية تأتي بسط اليّد للدّلاَلة بها على الجود. وتأتي كناية الإِفراط في البسط للدّلالة بها على الإِسراف.

هنا نُدْرك الإِبداع والجمال في التعبير القرآني الذي قال الله عزَّ وجلَّ فيه بسورة (الإِسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :

{وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} .

ونظيره ما جاء في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول) :

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ...} [الآية:64] .

ولعامّة الناس في تعبيراتهم الدارجات كناياتٌ كثيرات، فَبَدَلَ أَنْ يقولَ قائلهم:"أنا أكبر من فلان سنّا"يأتي في تعبيراتهم:

لمّا كنت مُدرسًا كان في المرحة الابتدائية - كنْتُ أحمله وهو ابن سنتين - وتقول المرأة: هو ابني من الرضاعة.

ويقول قائل: عن أسرة غنيّة: كانوا يستجدون صدقات الناس قبل الحرب، أي: هم أثرياء حَرْب - كانوا فقراء قبل أن يُعيَّن وليُّهم مديرًا للمالية -.

وقال مُعَمِّي مهنة أبيه: أنا ابْنُ من خضعت له الرؤوس، أي: ابن حلاَّق.

إلى غير ذلك من تعبيرات لا تُحْصَى.

الأغراض البلاغيّة لاستخدام الكناية:

تُستَخدم الكناية لأغراض بلاغيّة كثيرة، منها الأغراض التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت