فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 894

الكناية أسلوبٌ ذكيٌّ من أساليب التعبير عن المراد غير مباشرة، وهي من أبدع وأجمل فنون الأدب، ولا يستطيع تصيُّد الجميل النادر منها، ووضعه في الموضع الملائم لمقتضى الحال إلاَّ أذكياء البلغاء وفطناؤهم، وممارسو التعبير عمّا يريدون التعبير عنه بطُرُقٍ جميلة بديعة غير مباشرة، إنّ الذكِيّ اللَّمَّاح إذا أراد أن يتحدّث عن شيءٍ ما، صفةً كانَ، أو موصوفًا، أو نسبةً حكميّة، جالَ ذهْنُهُ لِيَدُلَّ على ما يُريد التعبير عنه بطريقة غير مباشرة، وطافَ في محيط ذلك الشيء لينتقي ممّا يلاحظ ما يُدلُّ به عليه، فَيُبْعِدُ حينًا، ويَقْرُبُ حينًا، ويتوسطُ حينًا، آخر، ويستَبْعِدُ ما لا يَراه حسنًا جميلًا، ومَا لاَ يرى دلالته مناسبةً لمقتضى الحال.

إنَّهُ يُرِيدُ مثلًا أنْ يتحدّث عن السّاحرات، فيرى من خصائصهنَّ أنَّهُنَّ يَعْقِدْنَ في الخيوط، وتتحرَّك ألْسِنَتُهُنَّ بهَمْهَماتٍ وَغَمْغَمات، ويَنْفُثْنَ فِي الْعُقَد، فيَدُلُّ عليهنَّ بعبارة:"النَّفَّاثات في الْعُقَد"على سبيل الكناية التي تدلُّ على المعنى المراد بطريقٍ غير مباشر.

ويريد مثلًا أن يتحدّث عن البخيل، ولكنْ لا يستَحْسِنْ استعمال لفظة"البخيل"في كلامه، لأنّ دلالتها دلالَةٌ مباشرة، وليس فيها إبداعٌ فكريّ، فيلاحظ أنّ من سِمَات البخيل قبض يَدَيْه عن العطاء، فيكنّى عن الْبُخْل بعبارة"قبض اليدين، أو قبض اليد"ويكنّي عن البخيل بعبارة"قابض اليدين، أو قابض اليد"وعبارة"قبض الْيَد"أدقّ، لأنّ العطاء يكون بيد واحدة في الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت