الغرض العاشر: إرادة التّعمية والإِلغاز، ويكون هذا في الكنايات التي يَصْعُب على غير الأذكياء اللمَّاحين إدْراكُ المقصود بها.
إلى غير ذلك من أغراض بلاغية.
وأنبِّه هنا على أنّه لا تُحْمَد الكناية لمجرّد كونها كناية، بل لا بدّ من ملاحظة غرض بلاغيّ فيها، أدناه كونها أجمل من التعبير الصريح في أذواق الأدباء والبلغاء.
ولا بدّ أيضًا من أن تكون خالية من العيوب الجمالية، والمستقبحان الفكرية.
أمثلة من الكنايات:
المثال الأول: في عرض قصّة إلقاء أمّ موسى ولدها الطفل"مُوسَىْ"عليه السلام في اليمّ خوفًا عليه من جُنود فرعون أن يذبحوه تنفيذًا للأمر الفرعوني بقتل كلِّ مولودٍ ذكر من بني إسرائيل.
لقد أوحى الله إليها أن تضعه في صندوق وتلقيه في اليمّ إذا خافت عليه من جنود فرعون أن يذبحوه، ففعلت، وجرى به النهر، حتى إذا بلغ شاطئ القصر الفرعونيّ التقطه آل فرعون، وقالت امرأة فرعون له: قُرَّهُ عَيْنٍ لي ولَكَ، لا تقتلوه، عَسَى أن ينفعنا أو نتّخذه ولدًا، بعد هذا العرض قال الله عزَّ وجلَّ في سورة (القصص/ 28 مصحف/ 49 نزول) :
{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا...} [الآية:10] .
لقد كان فُؤادُها وهو عُمْقُ قلْبِها الشامل لأفكارها وعواطفها مشحونًا بالقلق والاضطراب والخوف عليه، فلمّا ألقته في اليمّ وعلمت بما جرى له، أزيحت عن فؤادها الغمّة، وأصْبحَ فارغًا من القلق والاضطراب والخوف عليه فجاءت عبارة {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} كنايةً عن طُمَأْنينتها على وَلَدِها، وسكينتها، واستمتاعها بمشاعر السعادة، لأنّ من شأن فراغ الفؤاد من الأفكار والعواطف المثيرة للقلَق والاضطراب والخوف أن تُصَاحبَهُ الطُّمَأْنينة والسكينة ومشاعر السّعادة. هذه الكناية خفيّةٌ نوعًا ما، مع عدم تعدُّدِ الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه، وجاء خفاؤها بسبب احتمال الفراغ لأمرين متناقضين: