فهرس الكتاب

الصفحة 584 من 894

الأوّل: الفراغ من الْهَمّ والخوف والقلق، وهو الفهم الذي ترجّح لديّ.

الثاني: الفراغ من القوة المفكرة العاقلة بسبب الهمّ والخوف والقلق.

وبسبب تردّد الفراغ بين هذين الاحتمالين اختلف أهل التفسير في إدْراك المكنَّى عنه.

لكِنَّ المعنى الذي ذكَرْتُه هو المعنى الذي يتلاءم مع الحدث وسياق القصة.

أمّا قول الله عزَّ وجلَّ بعد هذه الكناية: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِها لِتكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فَهُو رُجُوعٌ بالبيان إلى حال أُمِّ موسَى قبل أن تضعه في الصندوق وتُلْقيَه في اليمّ، إذْ صعُبَ عليها أن تباشر بنفسها إلقاء ولدها في اليمّ، ورأتْ أنّ احتمال هلاكه في اليمّ قريب من احتمال ذبحه بأيدي جنود فرعون، فجاء الرّبط على قلبها مانعًا لها من أن تظهر أمرها، وممدًّا لها بالثبات لتنفيذ ما أوحى الله لها به.

وهذا الرجوع بالبيان هو من التفصيل بعد الاجمال، وهو من أساليب القرآن في عرض القصص، وله نظائر متعدّدة فيه.

المثال الثاني: يستشهد البيانيون بقول الخنساء"تُماضر بنت عمر"تصف أخاها صخرًا:

*طَوِيلُ النِّجَادِ رَفِيعُ الْعِمَاد * كَثِيرُ الرَّمَادِ إِذَا مَا شَتَا*

كنَّتْ الخنساء عن طول قامة أخيها بطول نجاد سيفه. النِّجاد: حمائل السيف، إذ من المعلوم باللّزوم الذهني أنّ الرجل ذا القامة القصيرة لا يتَّخذ حمائل طويلة لسيفه، إنّما يتّخذ الحمائل الطويلة من كان من الناس طويل القامة.

وكنَّتْ عن كون أخيها ذا منزلةٍ رفيعةٍ في قومه بقولها:"رفيع العماد"أي: بيته بين بيوت العرب ذو أعمدة عالية، إذْ يلزم ذهنًا من ارتفاع أعمدة سُكَّان الخيام في البادية أن تكون هذه الأعمدة لبيوت عظيمة كبيرة، وجرت العادة أن تكون هذه الخيام العظيمة لذوي المكانة الرفيعة في أقوامهم، أمّ سائر سُكَّان البادية فتتشابَهُ خيامهم في ارتفاعها وأحجامها وأطوال أعمدتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت