وكنّتْ عن كون أخيها جوادًا مِضْيافًا بقولها:"كثير الرَّماد"وقد سبق شرح دلالة هذه الكناية.
المثال الثالث: قول الشاعر يصف شجاعة قومه وبأسهم:
*الضَّارِ بِينَ بكُلِّ أبْيَضَ مِخْذَمٍ * والطَّاعِنِينَ مَجَامِعَ الأَضْغَانِ*
بكُلّ أَبْيَضَ مِخْذَمٍ: أي: بكل سيفٍ أبيض قاطع.
كنَّى الشاعر في هذا البيت عن القلوب بعبارة:"مَجَامع الأضغان". الأضغان: الأحقاد، لقد ترك الشاعر التصريح بلفظ القلوب، وكنَّى عنها بذكر بعض صفاتها وهي كون الأحقاد تجتمع فيها، فإذا وُجدت الأضغان كانت مجتمعة في داخلها وملازمةً لها.
وأفادت هذه الكناية أنهم يطعنون قلوب أعدائهم الذين تجتمع في قلوبهم أضغان عليهم.
ويدخلُ في الكناية إطلاق الصفة مرادًا بها الموصوف، وعلى هذا فعبارة:"أَبْيَضَ مِخْذَمٍ"عبارةٌ كَنَّى بها عن السيف.
ومثل هذا كثير جدًّا، وهو من الكنايات الشائعة الواضحة.
ومن هذا إطلاق"السابح"مرادًا به الفرس، وإطلاق"الْعَضْب"بمعنى القاطع مرادًا به السيف. وإطلاق النابح كنايةً عن الكلب، وهكذا إلى أمثلة كثيرة جدًّا.
المثال الرابع: ما جاء في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) بشأن بني إسرائيل الذين اتّخذوا العجل الذهبيّ يعبدونه من دون الله، حينما ذهب موسى عليه السلام لمناجاة ربّه، لأنّهم استبطئوا عودته إذْ زاد الله له الميعاد من ثلاثين ليلة إلى أربعين ليلة، ثمّ لمّا رأوه من بعيد راجعًا إليهم وبيده الألواح ندموا على ما فعلوا ندمًا شديدًا ورأوا أَنَّهم قد ضَلُّوا، قال الله عزَّ وجلَّ فيها:
{وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .