{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} .
عبارة: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} هو كنايةٌ عن شِدَّة الْهَوْلِ الذي يكون يوم الدين، ولكنّ الشاهد هنا ليس في كون هذه العبارة كناية، إنّما الشاهد هنا في إسناد الفعل إلى اليوم، واليوم ليْسَ هو الذي يجعل الولدان شيبًا، والملابسة هي"الظرفية"لأنّ ذلك اليوم هو الظرف الزّمانيّ للأهوال التي من شأنها لو وُجِدَ نظيرها في الدنيا أَنْ تَجْعَلَ الوِلْدَان شيبًا.
(7) قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الحاقة/ 69 مصحف/ 68 نزول) بشأن الذي يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابَهُ بِيَمِينِه:
{فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} .
جاء في هذا النّصِّ وصْفُ المؤمن في الجنّة بأنّ عِيشَتَهُ رَاضِية، والأصْلُ أنْ يكون هو الرّاضي بها، فأسْنِد الرّضا إلى العيشة، والملابَسَةُ أنّه هو صاحِبُ العيشة، فهي جزءٌ من ذاته.
والغرضُ البيانيُّ الإِشعارُ بمصاحبة الرضا لكلّ أجزاء عيشة المؤمن في الجنّة، فلا يُوجَدُ عُنْصرٌ منها، ولا أجزاءٌ زَمَنيّةٌ مرافقة لها، تخلُو من الرّضا، وهذا المعنى لا تؤدّيه عبارة: فهو راضٍ عن عيشته، وذلك لأنّ الإِنسان قد يرضى عن عيشته ولو دخلت ضمنها منغِّصات، إذ هو ينظر إلى عيشته باعتبار الأغلب من أحوالها، بخلاف العيشة نفسها التي تمرُّ أجزاءً مع توالي الأزمان، إذْ كُلُّ جزء منها مُنْفَكٌ عن سابقه وعن لاحقه، فإسناد الرضا إليها يدلُّ على أنّ كلَّ جزائها مغمورٌ بالرضا.
(8) قول الله عزّ وجلّ في سورة (محمّد/ 47 مصحف/ 95 نزول) بشأن تخوّف الذين في قلوبهم مرض من أن يَنْزلَ قرآن يوجب عليهم القتال:
{...فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} .