ويرتقي الأديب ببيانه التعبيري درجةً أخيرة فيرة أنَّه لا داعيَ لذكر لفظ المشبَّه، ويكفي عن ذكره قرائنُ الحال أو المقال، فيكتفي بذكر لفظ المشبَّه به في عِبَارَته، أو بذكر صِفَاتٍ أو لوازم هي من خصائصه، ويَكُونُ في الكلام ما يمنع اللَّبْسَ، ويَدُلُّ على المراد، وهذه الدرجة العالية من البيان التعبيريّ عن التشابه تُنَاسِبُ من تُسْرِعُ أفهامُهُمْ لإِدْراك المراد، ويكون بالنسبة إليهم هو الكلام الأكثر بلاغة، لما فيه من إرضاءٍ لذكائهم اللّماح، واستئثارٍ بإعجابهم، إذْ يُعْجِبُهُمْ من صاحب البيان ما لديه من قدرة على تقديم تعبير مختصَرٍ جدًّا، مُحَقِّقٍ لغَرَضِهِ في دلالة الأذكياء على ما يُريد.
وحين يكتفي الأديب المعبِّر بذكر اللّوازم البعيدة فقط، والصفات الغريبة للمشبَّه به، دُون ذكر اللَّفظ الخاصّ بالمشبَّه به، فإنَّه يكون بذلك قد ارتقى ارتقاءً جديدًا، وأخَذَ في طري الرَّمز.
فمن ذلك ما هو قريب يَسْهُل على الذكي اللَّماح أن يتنبَّهَ له، ومنه ما هو بعيد لا يُدْرَكُ إلاَّ بالتأمُّل العميق، وقد يدركه العبقريّ. ويخصُّ البلغاء مخاطبيهم بالإِشارات واللّوازم البعيدة على مقاديرهم.
وكلُّ كلام يكون هو الأنسب لحال المخاطب يكونُ هو الكلام الأبلَغَ بالنسبة إليه.
وبدءًا من حذف وجه الشَّبه وأداة التشبيه، يكونُ الكلامُ قد انتقل من حُدُودِ التوجيه المباشر، إلى أَبْعَادِ التوجيه غير المباشر.
وكلَّما توغَّل الكلام في الْبُعْدِ، مع بُعْدِ اللّوازم الَّتي يحتاج إدراكُها إلى فطنة الفطناء، كان الكلام ذا طبقةٍ أرقَى في طبقات التعبير، فإذا كان موجّهًا لمن يُدْرِكُه كان بالنسبَةِ إليه هو الأبلغ.
لكنْ إذا كان موجّهًا لمن لا يُدْركه فإنَّه لا يكون هو الأبلَغ بالنسبة إلى حاله، لأنه لا يكون مطابقًا لمقتضاها، أمَّا الأبْلَغُ بالنسبة إليه فهو الأدنَى في الطبقة البيانيّة، ممَّا يلائم ويطابقُ حاله.