فهرس الكتاب

الصفحة 812 من 894

المثال الأول: قول امرئ القيس، يصفُ فرسه بالقدرة على العدو الشديد، والمتابعة في الطِّراد، والصّبر على التردّد السّريع مُدَّةً طويلة بين طريدتَيْن، دون أَنْ يَتَصَبَّبَ عرقًا:

*فَعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ وَنَعْجَةٍ * دِرَاكًا فَلَمْ يَنْضَحْ بمَاءٍ فَيُغْسَلِ*

فَعَادَى عِدَاءً: أي: وَالَى مُطَاردَتَهُ لِصَيْدَيْنِ، يُتابِعُ كُلاًّ مِنَ الطَّرِيدَتَيْن.

والْعِدَاءُ: الشَّوْط الواحِدُ من الْعَدْو.

بَيْنَ ثَورٍ وَنَعْجَةٍ: أي: بين ثور من بقر الوحش، وبقَرَةٍ وحشيّة.

النَّعْجَةُ الأنْثَى مِنَ الضأن، والبقرة الوحشيّة، وهي المرادَةُ هُنَا.

دِرَاكًا: أي: مُلاَحقَةً، يقالُ: دَارَكَ الطريدة من الصَّيْدِ مُدارَكةً وَدِراكًا، إذا لَحِقَهَا.

فَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءِ فَيُغْسَلِ: أي: فلم يتصَبَّبْ عَرَقًا، كما يحدُثُ لغيره من الخيول.

هذه المبالغة يمكن أن نعتبرها من القسم الأول"التبليغ"لأنَّها ممكنة في العقل والواقع.

أمّا قوله في وصفه:

*مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معًا * كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ*

فمن غير الممكن أن يكون في كرِّهِ إلَى الجهة الّتِي يُقْبلُ عَلَيْها فارًّا عنها، فهي مبالغةٌ من القسم الثالث"الغلوّ"لكنَّها مع ذلك مبالغةٌ مقبولة، لأنّ امْرأ القيس يُصوِّر مَشاعِرَهُ، ويُعَبِّر عمّا يَتَمَثَّلُ في خيَالِ الْمُشَاهِدِ حينَ يرى سُرْعَتَهُ الفائقة الّتِي يختَلِطُ فيها الكرّ والفرّ، حتى كأنّه يَكِرُّ ويَفِرُّ معًا، وهذا ما يُسَمَّى عند الأدباء المعاصرين"الصِّدْقَ الْفَنِّي".

المثال الثاني: قول"المتنبّي"يصف فرسه:

*وَأَصْرَعُ أَيَّ الْوَحْشِ قَفَّيْتُهُ بِه * وَأَنْزِلُ عَنْهُ مِثْلَهُ حِينَ أَرْكَبُ*

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت