فهرس الكتاب

الصفحة 847 من 894

{أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} .

كان من الممكن أن يُسْتَخْدَم في هذا التعبير الجناس، بأن يُقالَ: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أَحْسَنَ الخالقين.

لكنّ استخدام هذا الجناس يُفَوّتُ معنىً مقصودًا، والدّلالة عليه أولى من الاحتفاء بمُحَسِّنٍ لفظي، وذلِكَ لأَن كلمة"تَدَعُون"تدلُّ على أنّ المتروكَ شيءٌ معتنىً به، بشهادة الاشتقاق، إذْ مادّة الكلمة ليست موضوعة لمطلَق التَّرْك، بل هو ترك مقرون بالاعتناء بحال المتروك، ومنه ترك الوديعة، ولذلك يُختار لها من هو مؤتَمَنٌ عليها، وتُودَعُ لتُسْتعادَ بعد حين.

والمخاطبون عُبَّادُ"بعل"غيْر مهتمّين ولا معتنين بالله ربِّ العالمين، أحْسَنِ الخالقين.

بخلاف عبارة:"تَذَرُونَ"فإنّ مادَّتَها موضوعة لمطلق الترك أو للترك مع إعراضٍ وإهمال وعدم اعتناءٍ بالمتروك مطلقًا.

قال الراغب: يُقالُ: فلانٌ يَذَرُ الشيء، أي: يَقْذِفُه لقلّة الاعتداد به، ومنه"الوَذْرَة"وهي القطعة الصغيرة من اللّحم لا عظم فيها، لقِلّة الاعتداد بها.

ولمّا كان سياق النصّ يُناسبُه معنى:"وَتَذَرُونَ"دون"وتَدَعُونَ"كان الاختيار القرآني مُرَجَّحًا جانب المعنى على جانب المُحَسِّن اللّفظِيّ، إذْ حالُ المخاطبين من أهل الشرك والكُفر الذين كانوا يعبدون بعلًا حال المُدْبرِ المتولِّي الذي بلغ الغاية في تولّيه عن ربِّه وما جاء به الرسول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت