وقد اهتم علماء البلاغة بهذا الموضوع، فدوّنوا في علوم البلاغة بحثًا يتعلّق بالسّرقات الشعريّة وتواطؤ القرائح واتفاقها، ورأوا أنّ التوافق له حالات ثلاث:
الحالة الأولى:"الْمُوارَدة":
وهي أن يتّفق المتكلّمان في اللّفظ والمعنى، أو في المعنى وحده، ولا يُعْلَم أخْذ أحدهما من الآخر.
قالوا: إنّ مثل هذا يمكن أن يكون من اتفاق القرائح وتوارد الأفكار من غير أن يَسْرِقَ أحَدٌ من الآخر، ولو كان أحدهما متأخرًا زمنًا.
ومن أمثلة هذه الحالة أنّ ابن الأعرابي أنشد لنفسه قوله:
*مُفِيدٌ ومِتْلاَفٌ إِذا مَا أتَيْتَهُ * تَهَلَّلَ واهْتَزَّ اهْتِزَازَ المُهَنَّدِ*
فقيل له: أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ؟ هَذا لِلْحُطَيْئَة.
فقال ابن الأعرابي: الآن عَلِمْتُ أنّي شاعر، إذْ وافَقْتُهُ على قولِهِ ولم أسمعه إلاَّ السّاعة، أي: لم يَسْمَعْ قول الحطيئة إلاَّ في هذه الساعة.
قالوا: وحين لا يُعْلَمُ أخذُ اللاّحق من السابق فالعبارة المهذّبة التي لا اتّهام فيها أن يُقال: قال فلانٌ كذا، وقد سبقه إلى هذا المعنى أو إلى نحوه فلان، فقال كذا.
الحالة الثانية:"الاشتراك العامّ".
وهي التوافق في الأغراض وفي الأفكار والمعاني المتداولة، الّتي يشترك معظم الناس بإدْراكها، سواء تناقلها بعضُهُمْ عن بَعْضٍ أو لم يتناقلوها.
وفي هذه الحالة لا يُعْتَبَرُ اللاّحق سارقًا من السابق، ولا معتديًا على حقّه الأدبي.
الحالة الثالثة:"السّرقات الأدبيّة":
وهي الّتي يسْطو فيها اللاّحقُ على ما أبدعه السابق، من المعاني والعبارات، والتشبيهات، والاستعارات، والمجازات، وغير ذلك من مبتكرات الأفكار.
وهذه هي التي يُقال فيها: فلانٌ السابق، وفلانٌ سرَقَ منه، أو فلان السابق، وأخذ الَّذِين جاؤوا من بعده فكرتَه، أو عبارته، أو أسلوبه، أو نحو ذلك.