وذلك لأنّ صور هياكل الكلام الأدبيّ تخضع للتّجْدِيد والابتكارات دون قَصْرٍ ولا حَصْر، وشأْنُها كشَأْن لوحاتِ الرّسّامين، ومخطَّطاتِ مهندسي الأبنية، فهي لا تقف عند حدود صُورٍ معيّنة وهياكل لا تتعدّاها.
وعلى مقدار ما نجد في خَلْقِ الله من أشكال وصور مختلفة في أنواع الأشياء والأحياء، والأشجار والأزهار والثمار، نلاحظ أن الكلام الأدبيّ قابلٌ للتنوّع في صور لا حَصْر لها.
وللإِبداع المقبول فيها شروطٌ عامّة لغويّة، وفكرية، وجمالية، وتلاؤميّة مع مقتضيات الأحوال.
* فالشروط اللّغوية تأتي من قواعد اللّغة، في بناء كلمتها، ونحوها وصرفها، وبناء الجملة فيها، وأساليب الكلام بها.
* والشروط الجمالية أمور خفيّة يصعب تحديدها، كما سبق في فصل"الجمال في الكلام"لكن يمكن استفادة عناصر كثيرة تكسب الكلام جمالًا أدبيًّا ممّا سَبَق بيانه في فنون"المعاني والبيان والبديع"وممّا جاء في فصل"الجمال في الكلام".
على أنّ ذوّاقي الجمال الأدبيّ في الكلام يشعرون بتحقُّقِ الشروط الجمالية في الكلام، أو بتحقٌّقِ قِسْمٍ كبيرٍ منها، مَتَى أحَسُّوا بأذواقهم أنّه كلامٌ جميل، سواءٌ استطاعوا أن يكتشفوا العناصر الجمالية التي أمتعتهم في الكلام، أو لم يستطيعوا اكتشافها.
* والشروط الفكريّة ترجع إلى كون العناصر الفكرية في الكلام عناصر منسجمة مع أصول شجرات الأفكار التي فطر الله عزَّ وجلَّ عليها مَدَارِك النفوس القابلة للعلوم والمعارف، أو إلى قدرة صاحب الكلام على سَتْر الثُّغَرات التي تكون في أبْنِيتِه الفِكْرِيّة، بالإِيهام والتمويه وزخرف القول، حتّى يَبْدُوَ الباطل الذي يقدّمه مُزَيّنًا مَطْوِيَّ الثغرات، في صورة حَقٍّ متعانِقِ الفِقَرات، وهي في الحقيقة متباينات متضادّات متنافرات.
* والشروط التلاؤميّة مع مقتضيات الأحوال، ترجع إلى أنّ لكلّ مقامٍ حالًا، وأنّ لكلّ حالٍ مقالًا، وقد سبق بيان هذا في المقدمات العامة أوّل الكتاب.