وأنبّه هُنا على ضرورة التفريق بين الكلام الأدبيّ في الموضوعات الأدبية العامة، كالنسيب والمدح والهجاء والموعظة والنصيحة وما يتضمن استثارة للانفعالات والعواطف الإِنسانية، وبين المقال الصحفي، والخطبة، والمقال العلمي، إذْ لكلِّ مجالٍ من هذه المجالات أسلوبٌ من الكلام يلائمه، وما يصلُحُ في واحدٍ منها قد لا يصلحُ في سائرها.
إنّ جدول الماء مثلًا قد يراه العاشق في تعبيره الأدبيّ مثل مجرى دموعه، وتدفق أشواقه، ومثل لين جسد التي يعشقها، وهو مشوق لوصالها.
ويراه الأديب الوصّاف فيصف انسيابه كالثعبان، وحركته الجمالية، ويصف ما يحيط به من نبات وحيوان، ما يتدلّى عليه من أغصان الشجر، وما يمتد إليه من أشعة وأنوار، وما يتناثر عليه من زهر، وما يتلاعَبُ على سطحه وفي جوفه من سابح طير وسمك.
ويراه عالم الطبيعة من منظار ما درس في علوم الكيمياء والفيزياء والجغفرافية وغيرها من علوم الطبيعة.
ويراه الزارع من منظار الاستفادة منه في الزراعة وسَقْي الحقول، والأنعام التي يرعاها ويستثمرها.
ويراع عالم الاقتصاد من منظار حاجة اقتصاديات البلاد إلى المياه ومصادرها.
ويراه الواعظ الديني من خلال ما يُلاحظ فيه من طهارة ونقاء، وما يرى في مائه من نعمة الله على عباده بالرّيّ والتطهير، وتكون تعبيراته بشأنه مشتملة على ما يثير العواطف الدينيّة الإِيمانية، ويحثُّ على الالتزام بطاعة الله، والحرص على عدم إهدار نعمة الله والتبذير بها.
والصحفيّ في مقاله يراه من خلال المناسبة الصحفيّة الزمنية التي استدعت ذكره، ويكون تعبيره بأسلوب المحادث الذي يؤنس محدّثه، ولا يُجْهِدُ فكره، ويتنقّل به من فكرة إلى فكرة بحسب مجاري أفكاره.
ويشترط في كلّ كلامٍ أدبي في أيّ مجالٍ من المجالات المختلفات أن يكون بمثابة شجرة أو غُصْنِ من أغصانها معلوم الارتباط بها، أو بمثابة كائن حيٍّ أو عضْوٍ من أعْضَائه معلوم الارتباط به.