فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 105

ذم الحقد من الكتاب والسنة

وأقوال السلف الصالح

قال الله تعالى في محكم التنزيل: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64] ؛ فدلت هذه الآية معنى أن المنافقين يحقدون على المسلمين، ولذلك كانوا يحذرون من أن يفضحوا ولكن فضحهم الله - عز وجل، وسيفضح كل منافق بإذنه تعالى، والمتأمل في كتاب الله - عزّ وجل - لا يجد كلمة «حقد» في القرآن وإنما جاءت معنى، وكلها تدل على أن صاحبها صاحب خلق ذميم وقلب مريض ولا حول ولا قوة إلا بالله، وتأمل معي أخي هذه الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم التي تدل على أن سلامة الصدر ومحبة الخير للمسلمين وعدم الحقد عليهم وحمل الضغينة عليهم ينال الإنسان بذلك الدرجات العالية والأجور الغالية ...

فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنا جلوسًا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة» . فطلع رجل من الأنصار تنطفُ لحيته من وضوئه قد علّق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل مقالته أيضًا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأول، فلما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - تبعه عبد الله بن عمرو فقال: إني لاحيت [1] أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثًا؛ فإني رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي، فعلت؟ قال: نعم.

قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه يأتي معه تلك الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئًا؛ غير أنه إذا تعار - تقلب - على فراشه ذكر الله - عز وجل - وكبر حتى لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لا أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث ليالي وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة ولكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لك ثلاث مرات: «يطلع عليكم رجل من أهل الجنة» . فطلعت أنت الثلاث مرات فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك فأقتدي بك؛ فلم أرك عملت كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟

قال: ما هو إلا ما رأيت. فلما ولَّيت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك [2] .

ووجه الشاهد من الحديث كما قرأنا أنه رضي الله عنه ما كان يحمل في صدره غلًا ولا حقدًا ولا حسدًا على مسلم؛ فبلغت به هذه الأمور ما

(1) خاصمت وجادلت. تبعه: أي تبع الرجل الأنصاري.

(2) رواه الإمام أحمد (3/ 166) ، والإمام المنذري في الترغيب والترهيب في باب الترهيب من الحسد (348) وقال رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري ومسلم والنسائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت